الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / التلوث البيئي في سوريا…سلاح آخر يقتل السوريين ببطء
SYRIA, ALEPPO. Children are filling tanks of water in the streets of Aleppo, on September 26, 2012. Many neighborhoods are experiencing a serious shortage of water. ALESSIO ROMENZI

التلوث البيئي في سوريا…سلاح آخر يقتل السوريين ببطء

سارة مراد

 

مع استمرار الصراع في سوريا، باتت معظم المدن السورية تعاني من تلوث بيئي كبير نتيجة لمخلفات الحرب من أسلحة كيميائية، وتراكم القمامة وتلوث المياه وانتشار الأبخرة السامة من محركات السيارات والمولدات والمدافئ، خاصة مع استعمال الوقود سيء التكرير. ووصلت مؤشرات الأمان والسلامة البيئية إلى مستويات خطرة تهدد سلامة الإنسان والحيوان وجميع أشكال وأنواع الحياة الأخرى. وكأثر لهذا الاختلال، نمت الكثير من الأمراض التي لم تكن منتشرة من قبل، مما زاد من معاناة السوريين وفاقم آلامهم، وأصبحت البيئة غير النظيفة والجو المسموم سمة من سمات كثير من المدن، بما فيها المدن الشرقية التي كانت تتميز ببيئتها الخصبة والزراعية، والتي أصبحت مشافيها تعج بالمرضى المتأثرين بعمليات تكرير النفط الأولية التي انتشرت في تلك المناطق بعد تحرريها من قبضة النظام.

الملوثات الناتجة عن عمليات تكرير النفط بالطرق التقليدية تترك آثاراً مدمرة على البيئة وعلى صحة الإنسان، وتؤدي للإصابة بعدد من الأمراض عند التعرض المتكرر لها

إلى ذلك يلفت خبير البيئة محمد العشاري، في قوله لـ “صدى الشام”: “إن الملوثات الناتجة عن عمليات تكرير النفط التي يتخذها سكان المناطق الشرقية كوسيلة لكسب الرزق، تترك آثاراً مدمرة على البيئة وعلى صحة الإنسان، وتؤدي للإصابة بعدد من الأمراض عند التعرض المتكرر لها، منها الالتهابات الحادة في الجهاز التنفسي والتسممات والإجهاضات المتكررة عند النساء، وكذلك الإصابات السرطانية التي شهدت زيادة ملحوظة في الفترة الأخيرة”. وهو ما أكده منصور العلوي، وهو طبيب في إحدى مشافي مدينة دير الزور، حيث قال: “تراجعني يومياً عشرات الحالات لأطفال يعانون من مشاكل في الجهاز التنفسي وصعوبة في التنفس، ناتجة عن تلوث هواء المدينة بشتى أنواع الغازات السامة، وخاصة تلك الناتجة عن تكرير النفط”، ويضيف: “يتوجب على مسؤولي الرعاية الصحية توعية الناس للمخاطر الناتجة عن تلوث الهواء بهذه المواد، وتأثير ذلك على صحتهم على المدى القريب والبعيد، وما يتوجب عليهم القيام به لتخفيف التأثيرات السلبية المحتملة على صحتهم”.

كفاء أم لثلاثة أطفال، تعيش في مدينة دير الزور، تعاني من الربو ومن التهاب القصبات الحاد والمتكرر. لم يتحسن حال كفاء إلا بعد مغادرتها المدينة وتوجهها للعيش في مدينة اللاذقية. تقول: “لم يتحسن وضعي الصحي على الرغم من تناولي للكثير من الأدوية التي تخفف الالتهاب والحساسية، ونصحني الطبيب بمغادرة المدينة إلى مكان يكون الهواء فيه نقياً، ما اضطرني لمغادرة المدينة خوفاً على صحتي وصحة أطفالي”.

 

مصادر متنوعة للتلوث

 

من ناحية أخرى، أدى حصار النظام لبعض المناطق في ريف دمشق وغيرها من المناطق إلى تراكم النفايات بصورة كبيرة، مما اضطر السكان في بعض المناطق إلى حرق النفايات، لعدم قيام البلديات بترحيلها، وهو ما أسهم في زيادة الانبعاثات السامة والمسرطنة. وفي تقدير غير رسمي، بلغ حجم النفايات غير المرحلة في عام 2014 وحدها كمية 900 ألف طن.

كما أدى قصف النظام لبعض المناطق بالغازات السامة وغاز الكلور والمواد الكيميائية إلى انتشار التلوث. بالإضافة إلى الآثار السيئة التي تركها قصف النظام على كل المناطق من تدمير لشبكات المياه والصرف الصحي، وهو ما أدى إلى اعتماد السكان في كثير من الأحيان على استخدام مياه الآبار الملوثة، وهو ما ساعد على انتشار الأوبئة والأمراض، مثل التهاب الكبد وغيرها.

 

تشوهات خلقية

من جانبها، تؤكد الطبيبة صباح خضور، اختصاصية الأمراض النسائية، لـ”صدى الشام”: “أن لتلوث البيئة وغياب نمط الحياة السليم والرعاية الصحية دور رئيسي في زيادة حالات التشوهات الخلقية وحالات الإجهاض والولادة المبكرة التي تعاني منها النساء في سوريا مؤخراً”. وبدوره، أعلن عميد كلية الطب في “جامعة دمشق”، صلاح الشيخة، في وقت سابق، أن نسبة التشوهات للأطفال حديثي الولادة ارتفعت في سوريا نحو ثلاثة في المئة، مشيراً إلى وجود “مخاوف من ارتفاع هذه النسبة نتيجة لعدم وجود بيئة صحية وسليمة في بعض المناطق الشمالية والشرقية من سوريا”.

أن لتلوث البيئة وغياب نمط الحياة السليم والرعاية الصحية دور رئيسي في زيادة حالات التشوهات الخلقية للأطفال، وحالات الإجهاض والولادة المبكرة التي تعاني منها النساء في سوريا مؤخراً

أبو صبحي، أحد سكان العاصمة دمشق، يلفت إلى أن زوجته في حملها بطفلها الثاني، تعرضت لثلاث حالات إجهاض متتالية، يقول: “نعيش في قلب العاصمة في منطقة مكتظة جداً بالسكان، وخالية من المساحات الخضراء التي تنقي الجو الذي يعبق بالمخلفات السامة للقصف والغازات. قد يكون لذلك تأثير مباشر على صحة زوجتي”. أما لينا، فلم تكتمل فرحتها بمولودها الأول، الذي توفي بعد عدة أيام من ولادته نتيجة لتشوهات خلقية مصاحبة للولادة، تقول لـ” صدى الشام”: “منزلي في مدينة دير الزور قريب من محطة لتكرير النفط، لم أُعر ذلك الكثير من الأهمية لجهلي بتأثيرات تلك المواد على الصحة، لم تكتب لابني الحياة وتوفي على الرغم من محاولة الأطباء”.

تنامي مرض السرطان

يلفت أخصائيون إلى أن انتشار مرض السرطان في سوريا وزيادة أعداد الإصابات هي نتيجة طبيعية لتلوث البيئة بجميع أنواع الملوثات من أبخرة ومواد سامة ومؤكسدة تحفز على حدوث الطفرات في جسم الإنسان والإصابة بالمرض. كما أن لانهيار النظام الصحي وغياب الكشف المبكر والعلاج اللازم دور في تزايد أعداد الوفيات الناتجة عن الإصابة بالمرض. وهذا ما أكدته وزارة الصحة السورية، من خلال أرقام الوفيات المرضية خلال عام ٢٠١٥، والتي احتلت فيها الأورام الخبيثة المرتبة الأولى في قائمة الأمراض الأكثر تسبباً بالوفيات المرضية، بنسبة %50,92، واحتلت المرتبة الثالثة في قائمة الأمراض الأكثر حدوثاً.

اختصاصيون: أن لانهيار النظام الصحي وغياب الكشف المبكر والعلاج اللازم لمرضى السرطان دور في تزايد أعداد الوفيات الناتجة عن الإصابة بالمرض.

عيسى، الفتى العشريني من سكان حلب، لم يترك للمرض فرصة لأن يتغلب عليه. يقول لـ”صدى الشام”: “أعتقد أن وضع مرضى السرطان في سوريا هو الأصعب على الإطلاق، وخاصة في ظل الوضع المعيشي السيء وغلاء الأسعار وندرة الأدوية اللازمة. حتى الأدوية المسكنة لا توجد إلا في صيدليات معينة وبأسعار خيالية. لم أجد بداً من السفر إلى تركيا لتلقي العلاج المناسب، والذي تقدمه الحكومة لمرضى السرطان مجاناً”.

شاهد أيضاً

مجزرة مروعة راح ضحيتها 15 مدنيا في مدينة منبج بريف حلب الشرقي

أنس عوض  – صدى الشام   قُتلت 11 امرأة وثلاثة أطفال ورجل واحد وإصابة آخرين …

قتيلان من قوات النظام السوري بهجوم لـ”داعش” بين الرقة ودير الزور

قتل عنصران من قوات النظام السوري وجرح ثالث في هجوم لتنظيم “داعش” الإرهابي ليل الجمعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *