مرسين – حسام جبلاوي
حين حصلت رولا جانودي (26 عاما) وهي خريجة من كلية التربية في تركيا على فرصة عمل في مدرسة خاصة بمدينة مرسين، اعتقدت أن باب الاستقرار بدأ يُفتح أخيرا بعد سنوات من اللجوء. غير أن حسابا بسيطا في نهاية الشهر الأول بدّد ذلك الأمل سريعا، فراتبها الذي يقترب من الحد الأدنى للأجور بالكاد يكفي لتغطية الإيجار وفواتير الخدمات والطعام، بينما تبتلع حضانة طفلتها الصغير ما يقارب نصف دخلها الشهري. بعد ثلاثة أشهر فقط، وجدت رولا نفسها مضطرة لترك العمل والعودة إلى نقطة الصفر.

قصة رولا لا تبدو استثنائية في أوساط النساء السوريات المقيمات في تركيا، بل تكشف عن عائق غير مرئي يحدّ من مشاركتهن الاقتصادية وهو غياب خدمات رعاية أطفال ميسّرة ومستدامة.
ففي معظم الولايات التركية، تتراوح رسوم الحضانات الخاصة بين خمسة آلاف وعشرة آلاف ليرة تركية شهريا، تبعا للمدينة وعدد ساعات الرعاية. في المقابل، تتركّز النساء السوريات العاملات في قطاعات منخفضة الأجر وغير رسمية، مثل النسيج والزراعة الموسمية والتنظيف والعمل الخدمي، وغالبا بأجور قريبة من الحد الأدنى ومن دون ضمان اجتماعي أو استقرار وظيفي.
وبحسب تقديرات ميدانية، قد تستهلك الحضانة وحدها ما بين 35 إلى 50 في المئة من دخل الأم الشهري، قبل احتساب الإيجار وبقية المصاريف الأساسية.
ويتراوح الحد الأدنى للأجور في تركيا حاليا حول 28 ألف ليرة تركية، في حين تصل رسوم بعض الحضانات الخاصة إلى ما بين 8 و12 ألف ليرة شهريا، ما يجعل كلفة الرعاية تستهلك نسبة كبيرة من دخل الأسر ذات الدخل المحدود.
روضة تبتلع الراتب
عبير يونس (29 عاما)، وهي أم لتوأم يبلغان ثلاثة أعوام وتعيش في مدينة أنطاكيا جنوب تركيا، كانت تعمل في متجر لبيع الألبسة قبل أن تضطر مؤخرا لترك عملها بسبب صعوبة إيجاد رعاية مناسبة لأطفالها.
تقول عبير: “بحثت مطلع هذا العام طويلًا عن روضة لتسجيل أولادي حتى أتمكن من الاستمرار في عملي، لكنني اصطدمت بالأجور المرتفعة. رسوم تسجيل الطفلين لا تقل عن 18 ألف ليرة شهريا، بينما راتبي 25 ألف ليرة فقط، لذلك اضطررت لترك العمل والبقاء مع أطفالي في المنزل. كنت أتمنى الاستمرار لأنني أحب عملي، لكن ما باليد حيلة”.
ويُعدّ الحق في الحماية الاجتماعية والدعم الأسري من الحقوق الأساسية التي أكدت عليها المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ تنص المادة (22) على حق كل فرد في الضمان الاجتماعي، بما يضمن كرامته وتنمية شخصيته.
كما تشير المادة (25) إلى حق الإنسان في مستوى معيشي كافٍ يضمن الصحة والرفاه له ولأسرته، بما في ذلك الرعاية والمساعدة في حالات الأمومة والطفولة. ويشمل ذلك توفير خدمات أساسية تُمكّن الأفراد، ولا سيما النساء، من التوفيق بين العمل والمسؤوليات الأسرية، وفي مقدمتها رعاية الأطفال.
ويؤكد مختصون أن غياب هذه الخدمات أو محدوديتها يضعف فرص مشاركة النساء في سوق العمل، ويؤثر في الوقت ذاته على حق الأطفال في الرعاية الآمنة والنمو السليم، ما يجعل قضية رعاية الأطفال جزءاً من منظومة الحماية الاجتماعية التي يفترض أن تكفلها السياسات العامة.
العمل الموسمي لا يغطي كلفة الرعاية
وتواجه نساء يعملن في القطاعات الزراعية تحديات مشابهة، بل أشد صعوبة بسبب طبيعة العمل غير المستقرة.
تعمل سناء عبد العال (34 عاما)، وهي أم لثلاثة أطفال أصغرهم في الرابعة من عمره، في قطاف الليمون بولاية مرسين، لكن عملها غير منتظم بسبب اضطرارها للبقاء مع طفلها في كثير من الأحيان.
تقول سناء إنها حاولت تسجيل طفلها في روضة قريبة، لكنها لم تستطع تحمل التكلفة. وتوضح:
“أجور الروضات تصل إلى نحو 10 آلاف ليرة شهريا، بينما عملي في الزراعة موسمي وليس يوميا، وأتقاضى حوالي 1200 ليرة في اليوم. هذا المبلغ لا يكفي لتغطية تكاليف الرعاية، لذلك أضطر أحيانا للبقاء في المنزل وعدم الذهاب للعمل”.
هذا الواقع يدفع كثيرا من النساء إلى خيارات محدودة؛ فإما الاستمرار في العمل مقابل عائد متدنٍ يكاد يذوب في نفقات الرعاية، أو الانسحاب من سوق العمل بالكامل. وفي حالات أخرى، تلجأ نساء إلى أعمال منزلية غير منتظمة أو إلى تقليص ساعات العمل، ما يقلّص دخلهن ويضعف فرص تطورهن المهني على المدى الطويل.
تحديات تواجه الحضانات أيضا
من جهة أخرى، يشير حسام جاموس، مدير روضة “دارنا” في مدينة أنطاكيا، إلى أن ارتفاع رسوم الحضانات لا يرتبط فقط بقدرة الأسر على الدفع، بل أيضا بتكاليف التشغيل التي تواجهها المؤسسات التعليمية.
ويقول جاموس إن إدارة أي روضة تتطلب مصاريف ثابتة تشمل الإيجار ورواتب المربيات والكوادر التعليمية وتكاليف الطعام والنقل والخدمات، ما يجعل تخفيض الرسوم إلى مستويات أقل أمرًا صعبًا في كثير من الأحيان.
ويضيف أن العديد من العائلات السورية تواجه بالفعل صعوبة في تحمل هذه التكاليف، موضحا أن بعض الحضانات تحاول تقديم تسهيلات أو تخفيضات قدر الإمكان، لكن ذلك يبقى محدودا في ظل غياب برامج دعم أوسع أو حضانات مدعومة تستهدف الأسر ذات الدخل المحدود.
تمييز غير مباشر
ترى مديرة منظمة العدالة والتنمية المستدامة ريم قرامو أن غياب خدمات رعاية الأطفال يشكّل أحد أبرز العوائق أمام مشاركة النساء السوريات في سوق العمل.
وتقول قرامو إن مسؤولية الرعاية غالبا ما تقع على عاتق النساء، ما يضطر كثيرات إلى ترك العمل أو عدم البحث عنه أصلًا في حال عدم توفر حضانات ميسورة أو قريبة.
وتضيف أن هذا الواقع يمكن اعتباره شكلًا من أشكال التمييز غير المباشر، لأن السياسات لا تستهدف النساء بالتمييز صراحة، لكنها تؤثر عليهن أكثر بسبب الأدوار الاجتماعية المرتبطة بالرعاية.
وتشير إلى أن بعض برامج التمكين الاقتصادي بدأت تأخذ هذه القضية بالحسبان، مثل توفير حضانات مؤقتة أثناء التدريب أو تقديم دعم محدود للأمهات، إلا أن رعاية الأطفال ما تزال في معظم البرامج خدمة إضافية وليست عنصرا أساسيًا في تصميم برامج التمكين.
فجوة في الاستجابة
وتلفت قرامو إلى أن من أبرز التحديات قلة عدد الحضانات العامة أو المدعومة، وارتفاع تكاليف الحضانات الخاصة، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الجهات المختلفة. كما أن سياسات دعم رعاية الأطفال ما تزال محدودة ولا تغطي احتياجات النساء العاملات، خصوصًا في المجتمعات ذات الدخل المنخفض.
وترى أن معالجة المشكلة تتطلب مجموعة من السياسات، منها إنشاء حضانات بلدية أو مجتمعية بأسعار ميسورة، وتقديم قسائم دعم للأمهات العاملات لتغطية تكاليف الرعاية، إضافة إلى تشجيع أو إلزام بعض أماكن العمل الكبيرة بتوفير خدمات رعاية أطفال.
وتؤكد أن الاستثمار في رعاية الأطفال ليس فقط دعما للأسر، بل استثمارًا اقتصاديًا، لأن توفير خدمات رعاية موثوقة وميسورة يتيح للنساء العمل والمساهمة بشكل أكبر في الاقتصاد.
في المحصلة، تكشف تجربة النساء السوريات في تركيا أن التمكين الاقتصادي لا يتحقق عبر فرص العمل وحدها، بل يتطلب سياسات اجتماعية داعمة تعالج مسألة الرعاية. وبين الرغبة في العمل والقدرة على الاستمرار فيه، تقف رعاية الأطفال كحاجز صامت لكنه حاسم.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث