يمامة دعبول – صدى الشام
مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج لفتح مطعم صغير يساعدها وزوجها على المعيشة في تركيا، بعد أن كان عمل زوجها غير مستقر، وكان يضطر دائماً للبحث عن فرص عمل جديدة.
تقول مجد: “كنت أحلم بأن يكون لدي مطعمي الخاص، لكن إيجارات المحلات مرتفعة جداً، والحصول على التراخيص اللازمة للعمل بشكل قانوني كان صعباً، كما أن التمويل غير متاح بشكل كافٍ. كل ما أتمناه أن أستمر في العمل لأتمكن من توفير لقمة العيش لأطفالي”.
هذه التجربة تعكس واقع عدد كبير من النساء السوريات اللواتي يحاولن إطلاق مشاريع صغيرة داخل تركيا، لكنهن يصطدمن بتعقيدات إدارية واقتصادية تحدّ من قدرتها على الاستمرار.
وفي السياق ذاته، تسعى سارة في إسطنبول إلى افتتاح صالة حفلات مخصصة للنساء، غير أن الطريق أمامها ليس أسهل. تقول: “الفكرة جاهزة، لكن الإجراءات معقدة، والدعم محدود، وكل خطوة تحتاج إلى متابعة قانونية دقيقة”.
تحديات الاستمرار
وتأتي هذه المحاولات الفردية ضمن سياق أوسع، إذ تستضيف تركيا نحو 3.9 مليون لاجئ ومهاجر، غالبيتهم من السوريين، مع إطار قانوني ينظم الحماية المؤقتة ويتيح الوصول إلى الخدمات وفرص العمل. ورغم ذلك، لا تزال مشاركة النساء في سوق العمل منخفضة، إذ تتراوح بين 4% و7% فقط، مع فجوة واضحة في تصاريح العمل لصالح الرجال.
وتعكس هذه الأرقام تحدياً مزدوجاً، لا يرتبط فقط بندرة الفرص، بل أيضاً بصعوبة الانتقال إلى العمل النظامي. فغياب التسجيل الرسمي يدفع كثيراً من المشاريع النسائية إلى البقاء خارج الإطار القانوني، ما يحد من فرص التمويل والحماية والاستقرار.
وفي هذا الإطار، يوضح الباحث الاقتصادي محمد الأسعد المشكلة بقوله: “غياب التسجيل الرسمي يحرم المشروع من أي دعم فعلي، لأن معظم الجهات الممولة تشترط وجود ترخيص قانوني واضح”.
عوائق قانونية
ومن جهة أخرى، ترى المحامية ميسون محمد أن التحدي لا يقتصر على فكرة المشروع، بل يمتد إلى تعقيد الإجراءات نفسها، مضيفة أن “هذه العقبات تجعل تحويل المشاريع إلى أعمال مستقرة أمراً صعباً، ما يبرز الحاجة إلى دعم قانوني وإداري أكثر فاعلية من قبل الجهات المختصة والمنظمات الداعمة”.
وبين الواقع القانوني والتجربة الميدانية، تُبرز هذه الحالات أهمية إدماج مقاربة حقوق الإنسان في فهم أوضاع المشاريع الاقتصادية للنساء اللاجئات، بما يشمل الحق في العمل دون تمييز، وتكافؤ الفرص في التمويل والتراخيص، والحق في التدريب الذي يمكّن من إدارة المشاريع بفعالية. كما يرتبط ذلك بالحماية الاجتماعية والدعم الاقتصادي، ما يعزز الاستقرار والاستقلال المالي، ويجعل دعم المشاريع الصغيرة، قانونياً وإدارياً، ضرورة لاستمراريتها في ظل القيود القائمة.
دعم واستدامة
ورغم جهود منظمات المجتمع المدني في تقديم التدريب والتمكين القانوني، فإن هذه البرامج تبقى محدودة الأثر أمام حجم الاحتياج. لذلك، يبرز ضرورة توسيع مفهوم الدعم ليشمل الإرشاد القانوني والإداري إلى جانب التمويل، باعتباره شرطاً أساسياً لاستدامة المشاريع الصغيرة.
تقول بسمة، مديرة المشاريع في شبكة المرأة السورية: “التمويل وحده لا يكفي، فنجاح المشروع يعتمد أيضاً على الإدارة والتخطيط. كثير من المشاريع تتعثر ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب ضعف التنظيم واتخاذ القرار”.
وتضيف: “التدريب يساعد النساء على إدارة مشاريعهن بشكل أكثر استقراراً، كما أن العمل ضمن إطار قانوني واضح يعزز الأمان ويزيد الثقة مع المجتمع والجهات الداعمة”.
في المحصلة، تكشف تجارب مجد وسارة عن فجوة مستمرة بين الطموح والواقع. فالتحدي لم يعد في إطلاق المشاريع، بل في ضمان استمراريتها. وهو ما يتطلب مقاربة شاملة تقوم على تبسيط الإجراءات، وتوسيع فرص التمويل، وربط الدعم بالتأهيل القانوني والإداري، بما يحوّل هذه المبادرات من محاولات فردية إلى مشاريع مستقرة قادرة على الاستمرار.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث