فاديا محمد
عندما توفي والد سيما، وهي لاجئة سورية تقيم اليوم في مدينة غازي عنتاب التركية، لم تتخيل أن الحزن على فقدانه سيتحول إلى خسارة أخرى أكثر صمتاً: خسارة حقها في ميراث العائلة.
تقول سيما، وهي أم لثلاثة أطفال: بعد وفاة والدي، كان من المفروض أن نحصل نحن البنات على حصتنا من الميراث، لكن إخوتي طلبوا منا التنازل، بحجة أن الوضع صعب وأن الأرض يجب أن تبقى بأيدي الرجال.
وتضيف: لم أعرف كيف أطالب بحقي، خاصة أنني خارج سوريا ولا أستطيع متابعة الإجراءات القانونية.
قصة سيما ليست حالة فردية، بل تعكس واقعاً تواجهه كثير من النساء السوريات اللواتي يُحرمن من حقوقهن في الميراث نتيجة ضغوط اجتماعية أو صعوبات قانونية، خاصة في ظل النزوح واللجوء.
تروي نورا، وهي لاجئة سورية أخرى تعيش في إسطنبول، تجربة مشابهة: بعد وفاة والدي، اجتمع إخوتي وقالوا إن الأفضل أن نتنازل نحن البنات عن الأرض حتى لا تتقسم.
وتتابع: لم أكن مقتنعة، لكن العائلة ضغطت علينا، وفي النهاية وقعت على التنازل.
تكشف هذه الشهادات عن نمط متكرر، حيث يتحول الميراث من حق قانوني مكفول إلى مساحة تفاوض وضغط اجتماعي، تدفع فيها النساء غالباً ثمن الحفاظ على تماسك العائلة.
وبين هذه التجارب الفردية، يبرز السؤال الأهم: ماذا يقول القانون السوري فعلياً؟
توضح المحامية رغد الأسعد، المتخصصة في قضايا الأحوال الشخصية، أن القانون السوري ينص بوضوح على حق المرأة في الميراث.
وتقول: القانون يحدد حصص الورثة بشكل واضح، ولا يجوز حرمان أي وارث من حقه الشرعي.
لكنها تشير إلى أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية بقدر ما تكمن في تطبيقها.
وتضيف: في كثير من الحالات تتعرض النساء لضغوط من الأسرة للتنازل عن حصتهن، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأراضي أو العقارات، وغالباً ما يتم ذلك بشكل غير رسمي.
هذا التباين بين النص القانوني والممارسة الاجتماعية يفتح الباب أمام مقاربة أوسع تتعلق بحقوق الإنسان.
إذ يرتبط حق المرأة في الميراث مباشرة بالحق في الملكية، وهو حق أساسي نصت عليه المادة 17 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تؤكد أن: لكلِّ شخصٍ حقُّ التملُّك، بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحدٍ من ملكه تعسفاً.
وفي السياق السوري، تزداد أهمية هذا الحق في ظل التحديات الاقتصادية المتفاقمة.
فوفق تقديرات منظمات دولية، يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ما يجعل أي مورد اقتصادي بما في ذلك الميراث عنصراً حاسماً في بقاء الأسر واستقرارها.
يرى الباحث الاجتماعي الدكتور أحمد السيد أن حرمان النساء من الميراث لا يؤثر فقط على حقوقهن القانونية، بل يمتد ليؤثر على البنية الاقتصادية والاجتماعية ككل.
ويقول: الميراث قد يشكل أحد أهم مصادر الأمان الاقتصادي للأسرة، خاصة في البيئات التي تعتمد على ملكية الأراضي والعقارات.
ويضيف: عندما تُحرم المرأة من حصتها، فإن ذلك يحد من قدرتها على تحقيق الاستقلال المالي، ويُسهم في توسيع الفجوة الاقتصادية بين الرجال والنساء.
وتشير تقارير صادرة عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) إلى أن النساء في مناطق النزاع يواجهن تحديات مضاعفة في الوصول إلى حقوق الملكية والميراث، نتيجة ضعف الوصول إلى القضاء وازدياد الضغوط الاجتماعية.
كما تظهر دراسات أن حرمان النساء من الأصول الاقتصادية، مثل الأراضي والعقارات، يرتبط بارتفاع معدلات الفقر بين النساء على المدى الطويل.
ويرى خبراء أن امتلاك النساء للأصول لا يعزز فقط وضعهن الفردي، بل ينعكس أيضاً على رفاه الأسرة ككل، من خلال تحسين فرص التعليم والاستقرار المعيشي.
ويرتبط حق المرأة في الميراث بعدة مبادئ أساسية في حقوق الإنسان، من بينها:
- الحق في الملكية
- الحق في المساواة وعدم التمييز
- الحق في مستوى معيشي لائق
ومع ذلك، يؤكد مختصون أن حماية هذه الحقوق لا تتحقق عبر النصوص القانونية وحدها، بل تتطلب أيضاً تغييراً في الممارسات الاجتماعية التي قد تمنع النساء من المطالبة بحقوقهن.
بالنسبة لسيما، يبقى الميراث أكثر من مجرد مال أو أرض.
تقول: كان والدي يقول دائماً إننا جميعاً متساوون، لكن بعد وفاته شعرت أن هذا الكلام لم يتحقق.
وبين القانون والعادات الاجتماعية، ما تزال كثير من النساء السوريات يواجهن تحدياً صامتاً في الحصول على حق أساسي حق قد يغير مستقبل حياتهن الاقتصادية.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث