الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / مواد مجتمعية مختارة / العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور

في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً قبل أن تشرق الشمس تماماً، تكون قد رتبت غرفة الجلوس في منزلها، وأعدت بعض الألعاب ووجبة خفيفة للأطفال الذين سيصلون بعد قليل، دقائق قليلة فقط ويبدأ الأطفال بالوصول تباعاً برفقة أمهاتهم اللواتي يتوجهن إلى أعمالهن، بالنسبة لحسناء يبدأ يوم عمل طويل قد يمتد حتى المساء، لكن كل ذلك يجري داخل منزلها، بعيداً عن سوق العمل الرسمي وأطره القانونية.

حسناء، وهي من مدينة حمص وتقيم حالياً في شانلي أورفا، وجدت في رعاية الأطفال داخل منزلها فرصة عمل لم تخطط لها في البداية، لكنها تحولت مع الوقت إلى مصدر دخل يساعدها وأسرتها على مواجهة تكاليف الحياة. تقول حسناء إن فكرة العمل بدأت عندما لاحظت حاجة العديد من النساء السوريات العاملات إلى مكان آمن يتركن فيه أطفالهن أثناء ساعات العمل، موضحة أنها بدأت في البداية برعاية طفل واحد فقط بسبب خشيتها من حجم المسؤولية، قبل أن يزداد العدد تدريجياً ليصل أحياناً إلى ثلاثة أو أربعة أطفال في الوقت نفسه.

وتضيف لصحيفة ” صدى الشام”، أن الأمهات يأتين في ساعات الصباح لترك أطفالهن لديها، ثم يعدن لاستلامهم بعد انتهاء دوام العمل. وخلال هذه الفترة تتحمل مسؤولية كاملة عن رعايتهم، من إعداد الطعام لهم إلى اللعب معهم، وأحياناً تعليمهم بعض الأمور البسيطة المناسبة لأعمارهم.

ورغم أن العمل مرهق ويتطلب متابعة مستمرة، فإن حسناء ترى أنه الخيار الأنسب لها، لأنه يتيح لها العمل من المنزل دون الاضطرار إلى ترك أطفالها أو الخروج لساعات طويلة.

لكن الدخل الذي تحققه من هذا العمل يبقى محدوداً، إذ تتقاضى نحو 25 دولاراً شهرياً مقابل رعاية الطفل الواحد، وهو مبلغ لا يتناسب مع تكاليف المعيشة المرتفعة في تركيا، إلا أنه يظل مصدراً مهماً للدخل عندما يزداد عدد الأطفال الذين ترعاهم.

وتوضح أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب أي إطار قانوني ينظم هذا النوع من العمل، إذ يعتمد بالكامل على الثقة بين الطرفين. وتضيف أن هذا الأمر يؤدي أحياناً إلى خلافات تتعلق بمواعيد الدفع أو ساعات الرعاية، في ظل عدم وجود أي جهة يمكن الرجوع إليها لتنظيم العلاقة بين الطرفين.

قصة حسناء ليست استثناء، بل تمثل نموذجاً واسع الانتشار بين آلاف النساء السوريات اللواتي يعملن داخل المنازل في تركيا ضمن ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي أو “الاقتصاد الخفي”. فمع محدودية فرص العمل الرسمية، وصعوبة الحصول على تصاريح العمل، إضافة إلى المسؤوليات الأسرية ورعاية الأطفال، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات للبحث عن مصادر دخل من داخل المنزل.

في مدينة إسطنبول، اختارت رائدة اليوسف مساراً مختلفاً ضمن هذا الاقتصاد المنزلي، إذ حولت مهارتها في الطبخ إلى مصدر دخل عبر إعداد الطعام السوري وبيعه من المنزل.

رائدة من مدينة حلب بدأت هذا العمل قبل نحو عامين بطريقة بسيطة تقول عنها إن الطلب في البداية كان يقتصر على المعارف والجيران الذين كانوا يطلبون منها إعداد أطباق سورية تقليدية مثل الملوخية والكبة والمحاشي، إما لعدم امتلاكهم الوقت الكافي للطهي أو لصعوبة إعداد هذه الأطباق بأنفسهم.

ومع مرور الوقت، بدأ الطلب يزداد تدريجياً، خاصة بعد أن بدأت بنشر صور الأطعمة التي تعدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب، الأمر الذي ساعدها على الوصول إلى عدد أكبر من الزبائن.

لكن هذا العمل الذي يبدو بسيطاً من الخارج يخفي وراءه جهداً يومياً كبيراً، فكل مراحل العمل تقع على عاتقها وحدها، بدءاً من شراء المواد الغذائية، مروراً بالتنظيف والتحضير والطهي، وصولاً إلى التغليف وأحياناً التوصيل.

وتوضح رائدة أن الدخل الذي تحققه ليس ثابتاً، إذ يختلف تبعاً لحجم الطلب، فبعض الأيام تشهد إقبالاً جيداً، بينما تمر أيام أخرى دون طلبات تذكر، ومع ذلك، فإن هذا العمل يساعدها في المساهمة بتغطية جزء من نفقات الأسرة، إلا أن التحدي الأكبر بالنسبة لها يتمثل في غياب أي حماية قانونية أو ضمان اجتماعي، إذ يتوقف الدخل فوراً في حال المرض أو التعب، كما أنها تتعرض أحياناً لخسائر نتيجة إلغاء بعض الزبائن لطلباتهم في اللحظة الأخيرة.

ورغم كل هذه الصعوبات، ترى رائدة أن العمل من المنزل يبقى الخيار الأكثر واقعية في ظل مسؤولياتها العائلية، خاصة مع صعوبة العمل خارج المنزل لساعات طويلة.

هذا النوع من الأنشطة يندرج ضمن ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي، وهو قطاع اقتصادي واسع يعمل خارج نطاق التنظيم القانوني والضريبي. وتشير تقديرات العديد من الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين السوريين في تركيا يعملون ضمن هذا القطاع. وفي هذا السياق، يوضح الباحث الاقتصادي محمد السلوم لصحيفة ” صدى الشام”، أن الاقتصاد غير الرسمي بين اللاجئين السوريين في تركيا يشكل ظاهرة واسعة النطاق تتجاوز كونها مجرد حالات فردية.

ويشير السلوم، استناداً إلى تقديرات منظمة العمل الدولية والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلى أن نحو 93 في المئة من اللاجئين السوريين العاملين في تركيا ينشطون في القطاع غير الرسمي، وهي من أعلى النسب المسجلة عالمياً بين مجتمعات اللاجئين. ويوضح ان هذه العمالة تتركز في قطاعات متعددة، من بينها الزراعة الموسمية وصناعة النسيج والخدمات المنزلية، مشيراً إلى أن النشاط الاقتصادي غير الرسمي المرتبط باللاجئين السوريين يحرك سنوياً ما يقارب سبعة مليارات دولار، تبقى خارج إطار الرقابة والضرائب الرسمية.

ويؤكد السلوم أن النساء السوريات يتحملن العبء الأكبر في هذا الاقتصاد غير المنظم، إذ تشير الدراسات الميدانية إلى أن نحو 78 في المئة منهن يعملن في الخدمات المنزلية غير المسجلة، وغالباً في ظروف صعبة وبأجور منخفضة ومن دون أي حماية قانونية أو اجتماعية. ويرى أن هذا الواقع يمثل ما يسميه الاقتصاديون “دوامة الهشاشة”، حيث يؤدي غياب تصاريح العمل إلى فجوة كبيرة في الأجور قد تصل إلى 50 في المئة مقارنة بالعامل التركي في الوظيفة ذاتها، إضافة إلى حرمان اللاجئين من التخطيط المالي طويل الأمد أو الاستفادة من الخدمات المصرفية الرسمية.

ولا تقتصر آثار هذا الاقتصاد الخفي على اللاجئين وحدهم، بحسب السلوم، بل تمتد لتشمل الاقتصاد التركي أيضاً، إذ يؤدي استمرار العمل غير الرسمي إلى خسارة عائدات ضريبية تقدر بمليارات الليرات سنوياً، فضلاً عن خلق منافسة غير عادلة في سوق العمل، وتعطيل طاقات إنتاجية كان يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد.

ويعزو السلوم انتشار هذا الاقتصاد الموازي إلى مجموعة من العوامل البنيوية، من أبرزها صعوبة الحصول على تصاريح العمل وبطء الإجراءات البيروقراطية، إضافة إلى رغبة بعض أصحاب العمل في تجنب تكاليف التوظيف الرسمي، فضلاً عن ضعف آليات التفتيش العمالي والحواجز اللغوية التي تواجه اللاجئين.

من جانبه، يشير الخبير الحقوقي والمحامي حسام سرحان إلى أن العمل المنزلي غير المسجل، سواء للاجئات أو لغيرهن، لا ينسجم مع مبادئ حقوق الإنسان، لأنه لا يوفر بيئة عمل آمنة ولا يضمن الأجر العادل، ويقول لصحيفة ” صدى الشام”، إن هذا النوع من العمل قد يمتد لساعات طويلة تتجاوز أحياناً ثماني عشرة ساعة يومياً، وهو ما يحرم النساء من الحد الأدنى من معايير العمل اللائق.

ويؤكد أن غياب الحماية الاجتماعية يمثل انتهاكاً لحقوق العاملات، إذ يحرمهن من التأمين الصحي وتعويض نهاية الخدمة وإجازات الأمومة والمرض، وهي حقوق يتمتع بها العاملون في القطاعات الرسمية، ويرى سرحان أن حماية النساء من الاستغلال تتطلب تغييراً في طريقة التعامل مع العمل غير الرسمي، بحيث يتم التركيز على ملاحقة الجهات التي تستغل حاجة العاملات بدلاً من ملاحقة النساء اللواتي يضطررن للعمل دون ترخيص بسبب ظروفهن الاقتصادية، ويشدد على أهمية دور منظمات المجتمع المدني في تقديم برامج توعية قانونية وتمكين النساء من معرفة حقوقهن ومخاطر العمل غير المنظم.

وهنا يبرز البعد الحقوقي الجوهري في هذه المعاناة اليومية، إذ يشكل واقع هؤلاء النساء خرقاً واضحاً لمبادئ حقوق الإنسان الأساسية، وتحديداً الحق في العمل اللائق وتكافؤ الفرص، فمبدأ عدم التمييز في العمل، الذي كرسته المواثيق الدولية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يقتضي أن تتمتع كل امرأة لاجئة، بغض النظر عن وضعها القانوني، بحقها في بيئة عمل تحمي كرامتها وتضمن لها أجوراً عادلة وحماية اجتماعية، غير أن ما يحدث خلف الأبواب المغلقة يعيد إنتاج هوة عميقة بين هذه المبادئ السامية والواقع الذي تعيشه آلاف النساء، محولاً إياهن إلى فئة مهمشة في سوق العمل، محرومة من أبسط مقومات العيش الكريم التي تكفلها حقوق الإنسان.

وبينما يستمر هذا الاقتصاد الخفي في التوسع خلف أبواب المنازل، تبقى آلاف النساء السوريات يعتمدن على مهارات بسيطة مثل الطبخ والخياطة ورعاية الأطفال لتأمين مصدر دخل لأسرهن، ورغم أن هذه الأنشطة تسهم في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل غير مباشرة، فإنها تبقى في نظر الخبراء طاقات اقتصادية غير مستثمرة بالكامل، كان يمكن أن تتحول إلى قطاع منتج ومنظم لو توفرت سياسات أكثر مرونة في دمج اللاجئين في سوق العمل الرسمي.

وفي ظل استمرار التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، يبدو أن العمل من خلف الأبواب المغلقة سيبقى بالنسبة لكثير من النساء السوريات خياراً اضطرارياً، يوازن بين الحاجة إلى الدخل ومتطلبات الأسرة، حتى وإن ظل خارج الاعتراف الرسمي والحماية القانونية.

تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

رعاية الأطفال.. العائق الخفي أمام تمكين النساء السوريات اقتصادياً في تركيا

مرسين – حسام جبلاوي حين حصلت رولا جانودي (26 عاما) وهي خريجة من كلية التربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *