قتيبة سميسم
في شقة صغيرة بحي شعبي في مدينة غازي عينتاب، تبدأ أم أحمد يومها قبل شروق الشمس. تحضر الإفطار لأطفالها الثلاثة، ثم تخرج إلى عملها في ورشة خياطة تبعد نحو نصف ساعة عن منزلها. منذ أكثر من ثماني سنوات، أصبحت هي المعيل الوحيد للأسرة.

تقول: “زوجي اعتُقل في سوريا عام 2013، ومنذ ذلك الوقت لم يصلنا عنه أي خبر. عندما جئت إلى تركيا لم أكن أعرف كيف أعمل، لكن كان عليّ أن أجد عمل بسرعة.”
قصة أم أحمد تختصر تحولات عميقة عاشتها آلاف الأسر السورية خلال سنوات الحرب والنزوح. فمع غياب الأزواج بسبب القتل أو الاعتقال أو الإصابة، وجدت كثير من النساء أنفسهن فجأة في موقع المعيل الرئيسي للأسرة. غير أن هذا التحول الاجتماعي لم يحدث في سياق تمكين اقتصادي طبيعي، بل داخل ظروف لجوء معقدة وسوق عمل غير مستقر.
مجتمع لاجئين واسع… وفئة أكثر هشاشة
تستضيف تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين في العالم. ووفق بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) يوجد نحو 2.9 مليون لاجئ مسجل في البلاد، معظمهم من السوريين.
كما تشير تقارير( UN Women) إلى أن النساء يشكلن نحو 46٪ من اللاجئين السوريين في تركيا، وهو ما يعني أن مئات الآلاف من النساء يعشن تجربة اللجوء بكل ما تحمله من تحديات اقتصادية واجتماعية.
ضمن هذا المجتمع الكبير تبرز فئة تواجه صعوبات مضاعفة، وهي الأسر التي تعيلها نساء. وتشير تقارير إنسانية إلى أن ما بين خمسة عشر إلى عشرين في المئة من الأسر السورية في تركيا تقودها نساء، وغالباً ما تعتمد هذه الأسر على مصدر دخل واحد محدود، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية.
كيف أصبحت النساء المعيل الرئيسي للأسرة؟
بالنسبة لكثير من العائلات السورية، لم يكن انتقال المرأة إلى موقع المعيل قراراً اقتصادياً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لمسار الحرب نفسها. فقد فقدت عائلات كثيرة معيلها الأساسي بسبب القتل خلال النزاع، أو بسبب الإصابة التي منعت كثيرين من العمل، كما أن الاعتقال أو الاختفاء القسري كان سبباً آخر في غياب الأزواج، إلى جانب حالات بقي فيها الزوج داخل سوريا أو تفككت الأسرة نتيجة النزوح الطويل.
سمر، وهي لاجئة سورية تبلغ الثالثة والثلاثين من العمر وتقيم في تركيا، وجدت نفسها في هذا الوضع بعد مقتل زوجها في القصف على سوريا قبل سنوات.
تقول: “لم أعمل يوماً قبل الحرب. وعندما وصلتُ إلى تركيا كنت خائفةً جداً من فكرة العمل، لكن عندما يكون لديك أطفال لا يكون هناك خيار آخر. أنا اليوم أعمل في تنظيفِ المنازل لساعات طويلة.
وتضيف: ” الأجر الذي أتقاضاه قليل جداً، بالكاد يسد بعض الاحتياجات الأساسية للأسرة، لكنه لا يكفي لتغطية جميع متطلبات الحياة اليومية“.
سوق عمل غير مستقر
ورغم وجود نظام رسمي للحصول على تصاريح العمل للاجئين السوريين في تركيا، فإن الوصول إلى هذا النظام لا يزال محدوداً نسبياً، إذ يجب أن يتم تقديم الطلب من قبل صاحب العمل نفسه، كما توجد قيود تتعلق بنسبة العمال الأجانب داخل المؤسسات. ونتيجة لذلك يعمل كثير من اللاجئين، ولا سيما النساء، في الاقتصاد غير الرسمي.
وغالباً ما تتركز فرص العمل المتاحة في قطاعات منخفضة الأجر مثل الصناعات النسيجية والعمل المنزلي والمطابخ المنزلية والزراعة الموسمية، وهي أعمال لا توفر عادة ضماناً اجتماعياً أو استقراراً وظيفياً.
توضح أم أحمد طبيعة هذا الواقع بقولها: “أعمل في الخياطة منذ سنوات، لكن لا يوجد عقد عمل. أنا المعيل الوحيد لأطفالي، ولذلك أخشى دائماً من أن يتوقف العمل في الورشة. وإذا قرر صاحب العمل الاستغناء عني فلن يكون لديَّ مصدر دخل آخر، ولا أعرف كيف سأتمكن من تأمين احتياجات أطفالي”.

تغيرات اقتصادية تضغط على اللاجئين
إلى جانب هشاشة سوق العمل، شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً كبيراً في تكاليف المعيشة، خاصة في المدن التي تستضيف أعداداً كبيرة من اللاجئين.
تقول سمر: “الإيجار ارتفع كثيراً. قبل سنوات كان بإمكاننا تدبير الأمور، أما الآن فمعظم الدخل ندفعه لتأمين الطعام وسداد الفواتير”.
ويشير كثير من اللاجئين إلى أن الضغوط الاقتصادية تزايدت نتيجة ارتفاع إيجارات المنازل بشكل ملحوظ، إلى جانب تراجع فرص العمل في بعض القطاعات، فضلاً عن زيادة تكاليف الطعام والنقل، الأمر الذي جعل كثيراً من الأسر السورية تعيش حالة مستمرة من عدم الاستقرار الاقتصادي.
سوريا بعد الحرب… عودة غير محسومة
ومع التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا مؤخراً، عاد جزء من اللاجئين إلى البلاد. غير أن الواقع داخل سوريا ما يزال معقداً، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو تسعين في المئة من السكان ما زالوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، كما أن الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والاقتصاد خلال سنوات الحرب يجعل إعادة بناء الحياة تحدياً كبيراً.
تقول أم أحمد: “نفكر بالعودة أحياناً، لكن بيتنا في حلب لم يعد موجوداً”.
أما سمر فتضيف: “حتى لو عدنا، لا يوجد عمل هناك، وإعادة الاستقرار من جديد بعد أكثر من عشر سنوات ليست سهلة”.
وهكذا تجد كثير من الأسر نفسها بين خيارين صعبين إما البقاء في ظروف اقتصادية ضاغطة في بلد اللجوء، أو العودة إلى بلد لم يتعافَ بعد من آثار الحرب.
فجوة في الحماية الاقتصادية
في هذا السياق ترى الباحث الاجتماعية الدكتورة خلود بركة، قالت: ” إن النساء في النزاع من 2011 حتى 2025 غالباً ما تحملن دور المعيل بعد وفاة الزوج أو فقدان الأولاد، سواء بسبب الحرب أو الهجرة إلى دول الجوار، مضيفةً أن كثيراً منهن يتحملن عبء الأسرة بمفردهن، بين رعاية الأولاد وتأمين الاحتياجات الأساسية”.
وأوضحت: ” هذه الظروف هي التي تجعل المرأة اللاجئة أكثر هشاشة في المجتمع، خصوصاً مع اعتمادها على أعمال بسيطة ذات دخل منخفض، وهو ما يزيد تعرضها للفقر. وأضافت أن بعض المنظمات حاولت دعمهن عبر توفير عمل مؤقت أو تدريب مهني، مؤكدةً أهمية تمكين اللاجئات اقتصادياً ليس فقط لتحسين وضعهن الحالي، بل لمنحهن قدرة على الاعتماد على أنفسهن وحماية أسرهن في المستقبل”.
دور منظمات المجتمع المدني
وفي المقابل تعمل بعض منظمات المجتمع المدني على دعم النساء السوريات اقتصادياً من خلال برامج التمكين المهني. توضح ريم، وهي منسقة برامج في منظمة نوى للتنمية، التي تعمل مع اللاجئات السوريات وتقول: “إن عدد النساء اللواتي أصبحن المعيل الرئيسي لأسرهن كبير جداً، وهو ما دفع هذه المنظمات إلى التركيز على التدريب المهني ودعم المشاريع الصغيرة”.
وتشمل هذه البرامج عادة التدريب على مهن مختلفة كالخياطة وتصميم الأزياء والحلاقة النسائية، إضافة إلى دعم المشاريع المنزلية الصغيرة وتقديم برامج للتمكين الاقتصادي. ومع ذلك، تبقى هذه المبادرات محدودة مقارنة بحجم الحاجة الفعلية.
ما الحلول الممكنة؟
يرى خبراء التنمية أن تحسين أوضاع النساء المعيلات يتطلب مجموعة من الإجراءات العملية، وفي مقدمتها تسهيل الحصول على تصاريح العمل الرسمية، إضافة إلى دعم المشاريع الصغيرة التي تديرها النساء وتوفير برامج تدريب مهني مرتبطة باحتياجات سوق العمل، إلى جانب توسيع خدمات رعاية الأطفال ودمج النساء اللاجئات في برامج التنمية المحلية، وهي خطوات يمكن أن تسهم في تقليل الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي وتعزيز الاستقرار الاقتصادي لهذه الأسر.
في النهاية، تسليط الضوء على واقع النساء السوريات المعيلات في تركيا، لا يقتصر على عرض قصص إنسانية فحسب، بل يكشف أيضاً عن فجوة حقيقية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، حيث تظل احتياجات هذه الفئة غير ملباة بشكل كافٍ. ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه الضغوط الاقتصادية على اللاجئات، ما يجعل دعم برامج تلبي احتياجاتهن، وتعزيز السياسات التي تضمن استقلالهن الاقتصادي أموراً ملحة. كما يسلط هذا الواقع الضوء على ضرورة اهتمام المؤسسات الدولية بهذه الفئة التي تواجه تحديات مركبة. وبين اقتصاد هش في بلد اللجوء وواقع غير مستقر في بلد الأصل، تعيش آلاف النساء السوريات المعيلات حالة انتظار طويلة، تتطلعن من خلالها إلى فرصة لحياة أكثر استقراراً بعد سنوات من الحرب والنزوح.
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR”
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث