حسام الجبلاوي
تصدر آلاف الأوراق الثبوتية في الأوقات الراهنة عن المحاكم المتواجدة في الساحل السوري، لكن أحدا لا يستطيع الوثوق بها، على الرغم من كثرة المراجعين من السكان المحليين، فهي ما تزال تعاني العديد من الصعوبات في الهيكلية وتعدد المرجعيات وفقدان السلطات التنفيذية في معظم المناطق، إضافة إلى تعرض مقراتها المستمر للقصف. فعلى الرغم من استهداف الطيران الروسي لمحكمة دار القضاء في قرية الناجية أواخر العام الماضي، الأمر الذي تسبب بإغلاقها نهائيا، إلا أن المحكمة الإسلامية في “بداما” انتقلت إلى مكان آخر متاخم للشريط الحدودي، ولا تزال تستمر في عملها، غير أن أداءها لا يرقى إلى مستوى أداء المحاكم القضائية، من حيث قوتها التنفيذية، وحتى نزاهتها التي سقطت على المحك في العديد من القضايا، خصوصا تلك التي تتعلق بفصل الخلافات الحاصلة بين السوريين والأجانب.
ولعل أبرز القضايا لإشكالية التي تمر بها المحاكم في المنطقة، هي مسألة تعدي الأجانب على الملكية الخاصة للسوريين كالمنازل والأراضي الزراعية. فالعديد من المقاتلين المنضوين تحت رايات فصائل إسلامية يقطنون في بيوت لجأ أصحابها إلى الخيام أو إلى الملحق، كما هو حال أبو يوسف بائع الخضار، الذي اضطر إلى السكن في ملحق بيته في قرية عين البيضا، وقد احتلّ فصيل عسكري منزله، وهو لا يستطيع التقدم بالشكوى إلى المحكمة لأن معظم القضاة فيها ينتمون للفصيل ذاته، كما أنه رفض مرارا الحديث عن هذا الموضوع خشية أن يأخذوا منه سكنه الحالي.
اهتزت ثقة السوريين بالمحاكم الشرعية في الساحل السوري المحرر لأسباب عديدة، أهمها افتقار تلك المحاكم للقوة التنفيذية، وتحيّز بعضها نتيجة وجود قضاة أجانب في كوادرها.
من ناحية أخرى، لم تبدِ المحكمة قوة بتنفيذ قرار وقف قطع الأشجار في صيف العام الماضي، قبيل التدخل الروسي، في حين أنها منعت السوريين من ذلك إلا أنها لم تستطع منع الأجانب، خصوصا عناصر الحزب التركستاني الذي ضرب عرض الحائط بكل قرارات المحكمة، بل إنه أكد في العديد من المرات عدم اعترافه بهذه المحكمة، بعد أن أتاحت له دار القضاء قطع الأشجار. وقد وقعت العديد من المشاكل في هذا المجال، أبرزها قضية خالد أوسي الذي منع مقاتلوه جهاديين من جند الأقصى من قطع الأشجار في وادي شيخان لأن المنطقة ستصبح مكشوفة أكثر في حال قطعت الغابات. وقد تحول الخلاف بين الطرفين إلى اشتباك مسلح تم فضّه دون الرجوع إلى دار القضاء، لعدم الثقة بها وبقرارتها التي تميّز المهاجرين عن السوريين.
قضية مقتل أبو فراس العيدو مثال واضح أيضا، حيث لا تزال تداعياتها ماثلة حتى الآن، بعد أن هرب خمسة من المشتبه بهم في هذه القضية بالتواطؤ مع سرية الحراسة في المحكمة، ولا يزال الفارّون خارج قبضة العدالة، على الرغم من طول فترة التحقيق في هذا الأمر.
تنشط محاكم الساحل السوري في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص اللباس الشرعي للفتيات، بينما تدرج جبهة النصرة باقي حقوقهن، سيما التعليم، ضمن خانة الاختلاط الممنوع في الشريعة الإسلامية.
وهناك عشرات القضايا الأخرى التي لا تزال عالقة بسبب ضعف تطبيق الأحكام القضائية حيالها، ولعل أبرز ما يثير الشكوك حول فعالية هذه المحاكم هو قضية زواج الفتيات السوريات من المقاتلين الأجانب. فقد أكد قاضي الأحوال الشخصية في المحكمة الإسلامية وجود العديد من القضايا المعلقة التي تثبت حقوق الفتيات السوريات المتزوجات من أجانب هرب غالبيتهم إلى مناطق داعش، لكن المحكمة لم تبتّ بهذه القضايا بعد، ولم تعطِ السوريات حقوقهن. بينما تنشط المحاكم ذاتها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي تخص اللباس الشرعي الواجب على الفتيات ارتداؤه، حيث لا تهاون في هذا الأمر، بينما تحرص جبهة النصرة على إدراج باقي الأمور التي تخص منحهن حقوقهن، سيما التعليم، ضمن خانة الاختلاط الممنوع في الشريعة الإسلامية.
لا تعترف التنظيمات الإسلامية بالمحامين أو القضاة المنشقين عن نظام الأسد، بزعم أنهم درسوا قوانين وضعية، في حين تعترف بالدارسين لكليات الشريعة، وتقوم بتعيينهم في محاكمها.
من ناحية أخرى، منعت هيمنة التنظيمات الإسلامية الكبيرة على هذا القطاع في الداخل السوري، إنشاء أي هيئة حقوقية أو قضائية تعتمد على قوانين مستوحاة من الشريعة الإسلامية. ولا تعترف هذه التنظيمات سوى بالدارسين لكليات الشريعة، في حين لا تعترف البتة بالمحامين أو القضاة المنشقين عن نظام الأسد، بزعم أنهم درسوا قوانين وضعية.
ومن جانب آخر، أكد المحامي رحال أن “معظم القضاة في ظل الأسد كانوا من المؤيدين، وبالتالي فإن غياب الكوادر في هذا القطاع في المناطق المحررة، أتاح لأشخاص منتدبين من التنظيمات الإسلامية إجراء دورات مدتها لا تتجاوز شهرين في أحسن الحالات، مما أسفر عن وقوع أخطاء كبيرة وصدور عشرات الاحكام الخاطئة”. وأضاف أن “لكل محكمة قوانينها الخاصة بها، فمحكمة جبهة النصرة لا تعترف إلا بالقوانين التي تتوافق مع أحكام القرآن والسنة، ولا تقبل حتى بالاقتباس منهما”. وأخيرا أضاف أن “القضاء أصبح مسيّس في الداخل السوري، ولكل فصيل عسكري قضاء خاص به لا يعترف بباقي المحاكم التي تخص تشكيلات عسكرية أخرى”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث