صدى الشام- حسام الجبلاوي/
يشهد القطّاع التعليمي في إدلب خلال الفترة الأخيرة انحداراً مخيفاً دفع مديرية التربية لدقّ ناقوس خطره بعد الإعلان عن تسرب آلاف الطلاب النازحين من ريف إدلب الشرقي، وخروج أعداد إضافية من المدارس عن الخدمة جراء القصف الجوي ولجوء نازحين إليها.
ولعل ما زاد الوضع سوءاً أيضاً توقف بعض المدارس العاملة في المحافظة عن عملها بسبب انقطاع الرواتب عن الكادر التدريسي منذ عدة أشهر نتيجة تخلي بعض المنظمات الدولية عن دعم مديرية تربية إدلب التابعة للحكومة المؤقتة بسبب ما قيل إنه “تدخلات من جانب حكومة الإنقاذ”.
ويتزامن هذا الوضع مع تحذير العديد من الأكاديميين في المحافظة من خطورة تراجع الوضع التعليمي سواء بالنسبة للأطفال الصغار النازحين إلى مناطق جديدة، والذين لا يجدون مدارس مؤهلة قادرة على استيعابهم، أو حتى بالنسبة للطلاب الكبار الذين باتوا مهدّدين بفقدان حقهم في متابعة تعليمهم، مع تزايد إغلاق المعاهد المتوسطة والتأهيلية بسبب توقف الدعم المادي عنها.
ووفق ما ذكرته مديرية إدلب قبل أيام قليلة فإنّ أكثر من 150 ألف طالب وطالبة من ريف إدلب الشرقي انقطعوا عن التعليم مؤخراً بسبب ظروف النزوح والعمليات العسكرية التي طالت مناطقهم، كما خرجت 30 مدرسة عن الخدمة في محافظة إدلب جراء القصف.
إضراب
حول الأسباب التي أدت لتدهور التعليم في إدلب، أشار المدرس سامر يونسو؛ مُدرّس مادة الرياضيات في مدينة أريحا، إلى أنّ العديد من المعلمين توقفوا عن الذهاب للمدارس وممارسة عملهم بسبب انقطاع رواتبهم لأكثر من شهرين. وأضاف يونسو لـ “صدى الشام” إنّ بعض المنظمات التي كانت تدعم العملية التعليمية في إدلب توقفت عن دعم الحكومة المؤقتة بشكل كامل، وهو ما أدى لإضراب أكثر من 2800 مدرس يعملون في قطاعات تعليميّة مختلفة عن عملهم.
وأوضح يونسو أن “بعض المعلمين ما يزالون يعملون بشكل تطوعي، لكنّ استمرار الوضع على حاله سيؤثر بشكل سلبي على كافة مناحي التعليم لأن المعلم لديه مسؤوليات معيشية يجب تأمينها”.
هذا الوضع انسحب وفق يونسو كذلك على المعلمين والإداريين في المعاهد المتوسطة التابعة لمديرية التربية في الحكومة السورية المؤقتة والذين لم يحصلوا على رواتبهم أيضاً منذ أشهر عديدة.
وكان موقع “فريق دعم التربية والتعليم” المختص بمتابعة أمور التعليم للسوريين في المناطق المحررة ودول الجوار نشر عبر موقعه الالكتروني ما قال إنه وثيقة حصل عليها وهي موجهة من قبل منظمة “كيمونكس” أحد أبرز الداعمين إلى مديرية التربية في إدلب، تتعلق بإخبارهم بوقف كافة أشكال الدعم المقدم للمحافظة.
ووفق الوثيقة فإنّ المنظمة أخبرت مديرية التربية بنيتها تعليق الدعم المقدّم والرواتب لقرابة 10000 من الكادر التدريسي في المحافظة بدءًا من نهاية كانون الثاني الماضي، وتعليق الشراكة بسبب ما قيل إنه مخاطر “ارتفعت في المحافظة بعد ظهور حكومة الإنقاذ، ومحاولتها التدخل في قرارات التعليم والهيمنة عليه”.
أعباء كبيرة
هذا الوضع الجديد وما يرافقه من أعباء كبيرة على القطاع التعليمي في المحافظة بعد تواصل عمليات النزوح، وضعف الإمكانيات، أدى لحرمان آلاف الطلاب في إدلب من التعليم في العام الحالي.
نضال الحاج مسؤول في مديرية التربية بإدلب قال لـ “صدى الشام” إنّ الصعوبات التي تواجه التعليم كبيرة جداً، “فمعظم المدارس توقفت عن العمل لأيام طويلة بسبب القصف والاشتباكات المسلحة بين الفصائل، وأغلب الطلاب لم يداوموا في صفوفهم لأوقات طويلة”.
وأضاف الحاج “هناك عشرات الآلاف من الطلاب اليوم في المحافظة لا يجدون مدارس قريبة من مناطق سكنهم لاسيما في المخيمات، نواجه صعوبات كبيرة في تأمين اللوازم المدرسية ورواتب للمدرسين تؤمّن لهم الاستمرار”.
وأكّد المسؤول التعليمي أنّ التقديرات الحالية تشير إلى تسرّب ما يزيد عن 40 ألف طفل في عمر الدارسة منذ فترة طويلة لاسيما من فئة الصغار، والتحاقهم بسوق العمل، وهو الأمر الذي يشكل كارثة حقيقية ستنعكس نتائجها في المستقبل القريب وفق رأيه.
وتعتبر مناطق ريف إدلب الشمالي الأكثر تضرراً حالياً بسبب وصول آلاف النازحين مؤخراً، واضطرار بعضهم للسكن في مدارس ريثما يتم تأمين سكن بديل لهم.
وفي مواجهة ذلك، عملت عدة منظمات خيرية محلية على افتتاح معاهد منهجية مجانيّة للطلاب في كل من معرة النعمان، والغدفة، وقاح، ومعرة مصرين، ومدينة إدلب، فيما تكفّلت مؤسسات مدنيّة أخرى بتأمين لوازم بعض المدارس الابتدائية في ريف إدلب من ناحية الرواتب ووقود التدفئة، إلا أن نسبة المدارس المكفولة لا تتعدى 10 بالمئة فقط من مدارس المنطقة.
عودة إلى حلقات المساجد
وأمام هذا الواقع برزت مؤخراً حلول مؤقتة ساهم بها بعض المتطوعين في المساجد ممن حاولوا تدارك الأمر بتعليم الصغار القراءة والكتابة عبر افتتاح حلقات وكتاتيب داخل المساجد تهتم بتعليم الصغار.
يقول منذر عصيّان، الذي يقطن في قرية سفوهن بريف إدلب، إنّ الأهالي باتوا يتجهون لهذا الخيار لتعليم أبنائهم الصغار بسبب عدم وجود مدارس في قراهم وكثرة تعطيلها.
ويضيف عصيّان “في كل قرية يتواجد أحياناً مدرسة واحدة وأحياناً لا توجد، وبسبب خطورة القصف والاشتباكات نضطر لإرسالهم إلى أقرب مسجد، فذلك أفضل على أي حال من عدم معرفتهم أي شيء”.
هذا الواقع بات شائعاً وبكثرة في عموم المحافظة رغم أنه لا يشكل بديلاً عن المدارس حيث يكتفي الطلاب غالباً بقضاء ساعة أو أكثر لحفظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة.
يشار إلى أنّ عدداً كبير من مدارس إدلب كانت هدفاً للقصف الجوي والاستهداف من قبل الطيران الروسي ونظام الأسد، ففي عام 2016 فقط خرجت أكثر من 160 مدرسة عن الخدمة بشكل كامل كما قُتل أكثر من 370 طالباً ومعلّماً في العام نفسه.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث