صدى الشام/
ربما سيجد حلفاء واشنطن ومن بقوا على علاقة ضبابية معها في كل من العراق وسوريا أنفسهم أمام واقع جديد في المرحلة القادمة إذا ما قرر الأمريكيون إنهاء حالة الغموض في استراتيجيتهم حيال المنطقة بعد الانتهاء من محاربة تنظيم “داعش”، وعلى هذا الأساس سيكون على جماعات متخاصمة ومتنافرة -شاركت في المعارك ضد التنظيم- أن تستعد لتغيرات محتملة فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية خلال العام الجديد. ومع بقاء القليل -كما يبدو- قبل أن تضع الحرب على “داعش” أوزارها، يتساءل جوشوا جلتزر، المدير السابق لمكتب مكافحة الإرهاب في مجلس الأمن الوطني الأمريكي: “ماذا سيحدث عندما يتم القضاء نهائياً على هذا العدو المشترك؟”.
ويتطرق الكاتب في مقال كتبه بمجلة “ذا أتلانتك” الأمريكية إلى ما أسماه استراتيجية “الغموض المتعمد” التي انتهجتها واشنطن في مواقفها إزاء عدد من القضايا الرئيسة في المنطقة خلال الفترة الماضية.
نهاية اللعبة
يستهل جلتزر مقاله بالإشارة إلى ما تحقق خلال السنوات الثلاث الأولى للحملة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة ضد “داعش” في العراق وسوريا وأبرزها القضاء على كبار قادة التنظيم، وإسقاط “العواصم المزدوجة” لداعش في الموصل والرقة، وتقويض الملاذات الآمنة التي يستخدمها عناصر التنظيم.
ويعتبر جلتزر أنه من السذاجة الاحتفال بـ “الانتصار” على التنظيم في مطلع العام الجديد “ليس فقط لأن المرحلة الأخيرة من دحر أي جماعة إرهابية ربما تكون الأصعب على الإطلاق، ولكن أيضاً لأن التحديات الإقليمية، التي تعاملت معها الولايات المتحدة بسياسة الغموض الاستراتيجي، لم يعد ممكناً تجاهلها ومن الصعب الاستمرار في التعامل معها على هذا النحو”.
ويوضح جيتزر أن “الغموض الاستراتيجي” يعني انتهاج الغموض المتعمد أو عدم الوضوح في صياغة سياسة الولايات المتحدة إزاء التحديات الإقليمية؛ بهدف السماح لمختلف الجماهير بتفسير السياسة ذاتها بأشكال مختلفة من أجل خلق المرونة لتحقيق الأهداف المنشودة، وقد لجأت واشنطن إلى سياسة الغموض الإستراتيجي لأنها أثبتت جدواها ومدى ضرورتها لنجاح الحملة ضد “داعش”، وبخاصة في ظل الحرص على عدم تورط أعداد هائلة من القوات الأمريكية في مهمة دحر التنظيم.
خيبة أمل
ويدافع جلتزر عن هذه السياسة قائلاً: “لم ترتكب واشنطن خطأ بانتهاج هذا الغموض المستمر في مواقفها إزاء القضايا الإقليمية في الشرق الأوسط؛ إذ كنا (أنا وزملائي في إدارة أوباما) حريصيين على الحفاظ على هذا الغموض في المراحل الرئيسة، ولكنها سياسة غير مستدامة وسوف تضطر الولايات المتحدة إلى إصابة بعض الذين اعتقدوا أن بإمكانهم الاعتماد عليها بخيبة الأمل، ومواجهة آخرين حاولت واشنطن تأجيل الصراع معهم”.
ويتابع جلتزر: “وفي الوقت نفسه لا يجب النظر إلى عدم القدرة على الحفاظ على هذا الغموض باعتباره دليلاً على فشل إدارة ترامب التي حافظت فعلاً على زخم الحملة ضد داعش في العراق وسوريا، وفي كل الأحوال لم يكن ذلك الغموض سوى إستراتيجية مؤقتة، بيد أننا يجب أن نشعر بالقلق إزاء الدبلوماسية الحمقاء التي ربما تنطوي على عواقب وخيمة”، وحدد جلتزر أربع قضايا رئيسة انتهجت الولايات المتحدة سياسة الغموض الاستراتيجي في التعامل معها، ففي المقام الأول هناك مستقبل الأكراد العراقيين، إذ اعتبرت الولايات المتحدة الأكراد “شركاء أساسيين” في الحملة ضد “داعش”، ولكنها في الوقت ذاته أكدت مراراً وتكراراً على التزامها بدولة عراقية موحدة، وهو شرط مسبق لإقامة علاقة وثيقة مع بغداد التي تُعد شريكاً حاسماً آخر ضد التنظيم.
ولسنوات رفضت واشنطن عن عمد التعامل مع الخلاف ما بين بغداد والأكراد بسبب سعيهم للاستقلال، ولكن موقف الولايات المتحدة لم يعد غامضاً خلال الشهور الماضية بعد أن واصلت دبابات بغداد احتلال حقول النفط الكردية في أعقاب تصويت كردستان العراق على الاستقلال، ويشير السماح الأمريكي بهذا الأمر إلى أن واشنطن تميل نحو بغداد.
وبالنسبة للقضية الثانية فهي تتعلق بأكراد سوريا الذين لعبوا دوراً حاسماً في تقليص الملاذ الآمن الذي كان يتمتع به “داعش” لشن الهجمات الإرهابية في جميع أنحاء العالم، وفقاً للكاتب، ولكن الأكراد السوريين أيضاً لديهم طموحات في الحكم الذاتي، إن لم يكن الاستقلال التام، الأمر الذي يثير المخاوف في عواصم المنطقة.
ويوضح جلتزر أن واشنطن لا تزال تنتهج سياسة غامضة إزاء هذه القضية لضمان الشراكة الحيوية مع الأكراد السوريين في تطهير معاقل “داعش”، وكذلك الحفاظ على العلاقات مع تركيا لضمان انطلاق عملياتها العسكرية ضد التنظيم من قاعدة أنجرليك الجوية، ولكن مع تطهير سوريا من “داعش” (بدعم موسكو)، سوف تضطر واشنطن في القريب العاجل إلى إظهار مدى دعمها للأكراد السوريين.
ماذا عن إيران والأسد؟
ومن بين القضايا الأخرى التي تعاملت معها الولايات المتحدة بغموض هناك موضوع نفوذ إيران في سوريا الذي تغاضت عنه واشنطن عندما تعلق الأمر بمحاربة “داعش” وذلك انطلاقاً من مبدأ “عدو عدوي صديقي”.
ويقول الكاتب إن الوقت ينفد الآن، وبينما تتصارع القوات العسكرية المختلفة في المناطق التي باتت خالية من “داعش” في سوريا، تقوم القوات الأمريكية بإسقاط الطائرات بدون طيار الإيرانية في المجال الجوي السوري؛ وعليه فإن مثل هذا الإجراء يعني زوال الغموض عن كيفية التعامل الأمريكي مع إيران في سوريا، حسب رأيه.
وتتمثل القضية الرابعة والأخيرة التي يطرحها جليتزر بمستقبل سوريا ودور بشار الأسد وداعمه فلاديمير بوتين، ويبدو موقف الولايات المتحدة إزاء هذه القضية باعتباره غامضاً من الأمور الغريبة في ظل مطالبات واشنطن المتكررة برحيل الأسد عن السلطة، ولكن على الرغم من وحشية نظام الأسد، فإن هذا الأمر لم يتحقق.
وبغض النظر عما إذا كان الشيء الحقيقي الواجب توافره لمستقبل سوريا من وجهة نظر واشنطن يتمثل في هيكل دستوري جديد لا يكون فيه الأسد رئيساً للبلاد على الأقل من الناحية الشكلية حتى إذا احتفظ بدور الحاكم المهيمن في البلاد، أو حصول الأكراد على الحكم الذاتي، فإن النوايا الحقيقية للولايات المتحدة سوف تتضح سريعاً، وبخاصة مع تراجع وجود “داعش” الذي كان يفرض نهجاً محدداً للتعامل مع القوات الروسية وقوات نظام الأسد التي كانت تستفز القوات الأمريكية بشكل متزايد داخل الحدود السورية.
تفاقم الأزمات
ويحذر جلتزر من أن ضعف تنسيق واشنطن والسياسة الخارجية الصماء والمقاربات الإيديولوجية للسياسة الخارجية، كلها عوامل ربما تقود إلى الإسراع بزوال الغموض الإستراتيجي الذي تنتهجه الولايات المتحدة إزاء التحديات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط خلال 2018، فضلاً عن تحويلها إلى قضايا خطيرة.
ويختتم جلتزر بأن الولايات المتحدة لديها أسباب وجيهة في عدم اتخاذ مواقف واضحة إزاء المنافسات والصراعات المشحونة في المنطقة، وأن الانسحاب من سياسة الغموض الإستراتيجي سيكون طريقاً صعباً لأي إدارة أمريكية؛ لاسيما إدارة ترامب التي تعاني من الكثير من الفوضى، ناهيك عن الوضع الهش لوزارة الخارجية الأمريكية، وغياب التركيز الأساسي اللازم لمواجهة هذه التحديات وإرساء الأسس لاستقرار المنطقة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث