صدى الشام /
قد لا يمكن التكهن بالمراحل التي سيصلها موقف أمريكا المتحيز من “إسرائيل”، لكن وتبعاً للتطورات الأخيرة على الساحة الدولية فقد بات من الممكن القول أن هذا الموقف ربما يؤول إلى قطع واشنطن التمويل عن منظمة الأمم المتحدة. وفي هذا الإطار يتوقف المحرر الدبلوماسي في صحيفة “الغارديان” باتريك وينتور، عند “بلطجة وتهديدات ترامب في موضوع القدس” معتبراً أنها تمثل أخباراً سيئة للأمم المتحدة.
ويشير الكاتب هنا إلى خطاب الرئيس ترامب أمام الجمعية العامة في إيلول، والذي جاء فيه “إن الدول القوية ذات السيادة تسمح لعدد من الدول ذات القيم والثقافات والأحلام المختلفة ليس بالتعايش وحسب ولكن العمل جنباً إلى جنب في الأمم المتحدة وعلى قاعدة الاحترام المتبادل”.
إلا أن المشهد تغير بعد ثلاثة أشهر إذ تعرضت الدول نفسها لتهديدات من سفيرة الرئيس الأمريكي نيكي هيلي، وقالت إنها ستسجل أسماء من لم يدعم قرار الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس والإعتراف بالمدينة كعاصمة لـ “إسرائيل”.
دبلوماسية الإكراه
على ما يبدو كان عصر الإحترام المتبادل قصيراً كما يقول وينتور. فقد كانت تلميحات هيلي بأن الدول التي تتحدى قرار ترامب ستواجه عقوبات، وكان ترامب واضحاً عندما قال إن فشل الأمم المتحدة دعم قراره سيكون انتصارا لسياسة “أمريكا أولاً” حيث “ستوفر الكثير”!. وقال “لا نهتم، ولكن الأمر مختلف حيث كانوا يصوتون ضدك ثم تدفع لهم ملايين الدولارات. ولن يستفيد أحد منها منذ الآن”. ويقول الكاتب معلقاً إن “القوة الناعمة” كما عرفها جوزيف ني “هي القدرة للحصول على ما تريد من خلال الجذب لا الإكراه”، وفي هذا السياق أصبح ترامب أحد أكبر الداعين لدبلوماسية الإكراه. وهذا يعود في جزء منه إلى أن ترامب هو نتاج عقلية ظلت تنظر للأمم المتحدة على أنها مركز المشاعر المعادية لأمريكا والفساد والتبذير، كما شرح مراسل “فوكس نيوز” إريك شون في كتابه “فضح الأمم المتحدة”. وبعبارات جون بولتون (سفير جورج دبليو بوش للأمم المتحدة) فالمنظمة الدولية مثلت دائما “هدفاً غنياً” نظراً لفكرة تحيزها ضد “إسرائيل”.
ويمكن القول أن بلطجة ترامب كشفت للعيان مظهر دبلوماسية الإكراه في الأمم المتحدة. وكما وصف ديفيد هاناي، السفير البريطاني السابق في المنظمة “مؤشر الفزع” بأنه الحسابات المتعلقة بالخوف من التصويت ضد قوة عظمى. فكل دولة عضو في مجلس الأمن ترغب بأن تكون في قمة هذا المؤشر، فاستخدام الفيتو من الدول الأعضاء مثلما فعلت روسيا مع سوريا هو دليل على أن دبلوماسيتها فشلت. ويرى الكاتب أن هناك ملمح نوعي مختلف حول الطريقة التي عاملت فيها الولايات المتحدة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بشأن القدس، فقد كانت الطريقة شعبية ولا يمكن توجيهها إلا للرأي العام المحلي لا الخارجي.
وقد حذر عدد لا يحصى من الدبلوماسيين خلال الأيام الماضية من أن الخطاب هذا سيترك آثاره العكسية ويعمق عزلة الولايات المتحدة.
مواقف
ورغم التحذيرات صوتت الجمعية العامة بغالبية كبيرة رافضة لقرار الرئيس ترامب الفردي حول القدس، حيث غيرت كندا موقعها من الجانب المؤيد لأمريكا للإمتناع عن التصويت. وحتى قبل التصويت نصح سفير بوليفيا ساشا لولرنتي هيلي بأن تكتب أول اسم بوليفيا في قائمة الدول التي ستعاقبها. وبالنسبة لدول أمريكا اللاتينية والشرق الأوسط فتحدي قوة عظمى سيكون بمثابة وسام الشرف. أما الدول الحليفة للولايات المتحدة مثل مصر وفرنسا والسعوية فكان عليها أن تأخذ خطوات تأخذ بالاعتبار الرأي العام لديها، واللافت للإنتباه أن الدول التي عارضت مشروع القرار ودعمت الولايات المتحدة صغيرة لا يتجاوز عدد سكان الواحدة منها الآلاف. وكان دفتر ملاحظات هيلي حافلاً بأسماء 128 دولة صوتت مع القرار. وقد تكون الخطوة الرمزية مكلفة مالياً، ففي عام 2016 كانت الولايات المتحدة أكبر متبرع للمنظمة الدولية حيث ساهمت بعشرة ملايين في الميزانية، أي خمس الميزانية. بالإضافة إلى أن وكالة التنمية الدولية “يو اس إيد” قدمت عام 2016 مبلغ 13 مليار دولار كمساعدات اقتصادية وعسكرية لدول الساحل والصحراء، و 1.6 مليار دولارا لدول شرق آسيا وأوشينيا. وقدمت 13 مليار دولاراً إلى دول في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و 6.7 مليار دولار لدول في جنوب ووسط آسيا و 1.5 مليار دولار في دول أوروبا ويوروشيا.
الأسوأ قادم
ويرى وينتور أن الضرر الذي ستتركه المناوشة مع ترامب سيخرج عن السيطرة ويؤثر على إصلاحات الأمين العام أنطونيو غويترش.
وخرجت الولايات المتحدة من اليونيسكو وأعلن مفوض حقوق الإنسان رعد بن زيد عدم ترشحه لفترة ثانية قائلاً إنه يريد الحفاظ على نزاهة المجلس وعدم الخنوع للولايات المتحدة. والأسوأ قادم فالاعتراف ببلطجة ترامب للأمم المتحدة ستغطي على القضايا الملحة، فنقل السفارة الأمريكية للقدس ليست عملية نقل عقاري فالاعتراف بسيادة “إسرائيل” على القدس يتحدى العملية السلمية ويسبب عدم الارتياح للسعودية الحليف الأقرب للولايات المتحدة في المنطقة، ويبعد الولايات المتحدة عن حلفائها الأوروبيين الذين دعموا حل الدولتين خلال الأربعين عاماً الماضية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث