صدى الشام _ جلال بكور/
من المؤكد والبديهي والذي لا شّك فيه أن اتجاه الثورة السورية نحو العسكرة لمقاومة العنف الأمني الذي يجابه به نظام الإجرام الأسدي الانتفاضة الشعبية الحالمة بالحرية في سوريا، كان له الدور الكبير في انخفاض دور الحراك الشعبي السلمي وتراجعه إلى درجة كبيرة، وعليه فقد وجدت العسكرة كردّ فعل طبيعي على العنف الأمني، إلا أن المجتمع الدولي والنظام سعيًا إلى حرف ردة الفعل تلك بهدف إلصاق صفة التمرد والإرهاب بالثورة.
القوة العسكرية منحت روسيا راعية النظام وحاميته القوة على طاولة المفاوضات لفرض رؤيتها للحلول أو إجبار المعارضة على القبول ببعض التسويات السياسية مرغمةً، وعلى هذا الأساس بتنا نرى كيف يجري الترويج لعقد مؤتمر “سوتشي” بشأن القضية السورية.
ومن جهة ثانية فإن القوة العسكرية منحت النظام فرصة السيطرة على مناطق عديدة بقوة الطائرات وتدمير المدن، وذلك بعد أن انحسر الدعم عن فصائل الثورة والمعارضة المسلحة من قبل “غريم روسيا الأزلي” أمريكا والحلف المحيط بها، ومنع مضادات الطائرات عنها أو إقامة مناطق آمنة.
الحصار والقصف والمجازر الفظيعة التي ارتكبها نظام الأسد بحق ملايين السوريين غيّبت الحراك الشعبي السلمي الذي أوجع النظام لشهور عديدة، وكانت نقاط المظاهرات تعمّ أرجاء سوريا وحتى في النقاط القريبة من القصر الجمهوري في داريا مثلاً وفي دمشق شرقها وجنوبها، وفي مناطق لم يتوقع النظام أن تثور عليه في يوم من الأيّام.
فهل يمكن اليوم أن يعود ذلك الحراك أو أن يؤثر في قرار الدول الكبرى التي تريد فرض حلولها وانتزاع إرادة السوريين الحالمين بالحرية؟ أم أنه لم يعد هناك دور إلا للقوّة العسكرية للتأثير بالقرار الدولي؟ وهل كل من يتحدث بضرورة التحرك الشعبي من أجل إيجاد ضغط على القرار الدولي هو صاحب منطق رومانسي وأحلام وخيال؟
رأينا أن المظاهرات في الشمال عادت مع الهدوء إثر اتفاق خفض التصعيد لكنها ليست بالزخم القديم، إلا أنها تؤكد على أن الحراك السلمي ما يزال موجوداً في النفوس، وحين يسود الهدوء أو شيء من الأمان يظهر ذلك الحراك لكنه بالطبع لن يؤثر على القرار الدولي لأنه لن يغيّر من معادلة السيطرة على الأرض، ولن يؤثر في أمن الدول الغربية.
ربما يقارن الكثيرون بين القضية الفلسطينية التي أضاعها العرب والمسلمون وبين القضية السورية التي بدأ العرب والمسلمون أيضاً بإضاعتها وهدر كل التضحيات التي قدّمتها، مع أنهم ظلوا يؤكدون على مبدأ أن “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوّة”.
وبكل الأحوال فإن الحراك الشعبي يجب أن يبقى ولو بالفكر فقط، والثورة فكر قبل أن تكون سلاحاً، وطالما أن الفكر موجود لن تُستبعد يوماً فرضية استعادة “ما أخذ بالقوة” لذلك يجب على الحراك الشعبي أن يبقى وإن كان في الفكر والإعلام والمظاهرات.
وبالنسبة للمسارين السياسي العسكري فيجب أن يرافقهما مسار شعبي للتأكيد على دعم المسارين معاً دون أحدهما، فالثورة والثوار يريدون تحقيق مكاسب على كلا الطرفين، وكل طرف يدعم الآخر بما يحقق مصلحة الثورة ومطلب الشعب السوري الثائر بالوصول إلى الحرية.
الحملات الإعلامية لن تؤثر في قرار المجتمع الدولي لكنها تبيّن أن الشعب ما زال يحمل الفكر الثوري ولن يرضى لا اليوم ولا غداً ببقاء بشار الأسد وزمرته ولو فُرض أي حل عليه في “شوتشي” أو جنيف أو غيرهما، فإنه سيعود وينتفض يوماً، ومن هنا تأتي أيضاً أهمية تنظيم المظاهرات أو الاعتصامات في دول اللجوء والداخل في المناطق الآمنة من القصف.
الثورة بدأت بالكفاح السلمي عبر المظاهرات والإضرابات والكتابة على الجدران وهي “فكر” يستعصي على النظام والمجتمع الدولي إزالته من العقول والقلوب، وهو أكثر ما يوجع النظام ومن يسعى إلى تعويمه وفرضه على السوريين من جديد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث