صحيفة الحياة/
لم يكن صوتها على الراديو مهتزاً ولا متردّداً، بل نطق الكلمات بقوة وثقة، على رغم مأسويّة مضمونها. وبلهجة الواثق العارف، تحدّثت أستاذة أكاديميّة عربيّة من بلد عربي أساسي، إلى إذاعة «مونت كارلو» أثناء تغطية تلك المحطة النشطة مؤتمراً استضافه الأردن أخيراً عن دور النساء في العلم في العالم العربي.
ولم تتردّد تلك الأستاذة المختصة في الفـــيزياء وتدير مختبراً جامعيّاً بل تشرف على أطروحات ماجيستير ودكتوراه في ذلك العلم، في الــقول إن العرب يملكون العلم حاضراً، ولا يحتاجون مزيداً منه! ولعل بعض من اعتاد التفكير نقدياً في الحديث عن العلوم، رفع حاجبيه دهشة واستنكاراً، لأن تطوّر الـــفيزياء عالميّاً بات مذهلاً تماماً، مع غياب عربي هائل عن مكتشفاته ليس حاضراً، بل امتداداً إلى بضعة قرون!
يعتبر الفيزياء علماً أساسيّاً، بمعنى أنّه لا يعطي منتجات تطبيقيّة مباشرة. في المقابل، يعرف متابعو العلوم وثقافتها أن الفيزياء تقف وراء ما لا يحصى من المكتشفات الممتدة من القنبلة الذريّة إلى مفاعلات الاندماج والانشطار النووي، ومروراً بالكومبيوتر والانترنت والموجات و… القائمة طويلة تماماً.
وعلى رغم التأخّر العلمي الواضح للعرب حاضراً في ذلك العلم، إلا أن تلك الأستاذة بدت كأنها في عالم آخر، بل كأنّها تقول إنّ الكتب التي تدرّس في الجامعات فيها العلم كله! ولن نزيد في أسى القارئ عبر الإشارة إلى المكانة «المتقدمة» التي يحتلها معظم جامعات العرب في التصنيفات العالميّة، خصوصاً الجامعات التي تدرّس فيها تلك المتحدّثة.
لا للتلقي السلبي
بديهي أن خطاباً كهذا، يثير مجموعة كبيرة من الأسئلة يتصل بعضها بضرورة نشر العلوم وتبسيطها، كي تصل إلى الأذهان كافة، فتستطيع التفكير نقدياً في العلوم، بل في وجوه الحياة كلّها. ولأنّ تلك الكلمات صدرت من أستاذة جامعيّة، يحرّك الأمر أيضاً سؤالاً عن الدور الذي تؤدّيه المدرسة والجامعة في الخطاب العلمي وقدرته على مخاطبة الناس.
ثمّة انطباع واسع بأنّ المؤسّسة التعليميّة العربيّة في معظمها، لا تتنكب مشقة النهوض بدورها في تبسيط العلوم Vulgarisation de Science. والأرجح أن الأمر متّصل بكون العرب يعانون حاضراً إشكاليّات كبرى (بل تخلّفاً بيّناً) في عملية إنتاج العلوم بحدّ ذاتها، وهو ما يظهر في ضالة مساهماتهم العلميّة الأصيلة في الركب المتسارع لتطور العلوم والتكنولوجيا، خصوصاً في مراكزه العلميّة المتألقة غرباً وشرقاً.
وبصورة مبدئيّة، يفترض بالنظام التعليمي أن يساعد على الفهم والتفكير، وعدم الاكتفاء بالتلقي السلبي. ولا يجب تصوّر الدراسة في الجامعات صاحبة الاختصاصات العلميّة، باعتبارها شيئاً صعباً ومستحيلاً. وثمة دور أيضاً لأساتذة المدارس في الحضّ على معرفة العلوم وتحبيب الطلبة بها، بل حضّهم على التفتيش عن طرائق حديثة مواتية في التعلّم. كما يجدر التنبّه إلى أهمية التخصّصات العلميّة، إذ تعطى دورها في المجالات المتصلة بعملها.
وهناك دور لا يقل أهميّة للدولة في دعم البحوث العلميّة. وكذلك يفترض أن يُنظَرْ إلى عملية تبسيط النص العلمي باعتبارها جزءاً من الثقافة، ما يقتضي دعمها بصورة رسميّة أيضاً. ولأن ذلك التبسيط يعتبر طريقة من طرق التأهيل الاجتماعي، فإنه يصبح أيضاً جزءاً من الإعلام العلمي، بل شكلاً من أشكال ديموقراطية الثقافة والمعرفة.
ويعطي تبسيط النص العلمي للعامة الحقّ في معرفة موقعها معرفياً واجتماعياً، بالنسبة الى عالم العلوم وبحوثه، لأن الشعب هو مصدر تمويل تلك البحوث، وفق ما تبرهنه تجارب الدول المتطوّرة علميّاً.
ويؤثّر تبسيط النص العلمي في السياسيّين بصورة مباشرة، لأن أكثريتهم تتحدث عن «حقائق» العلوم وتقدّمها، من دون الإحاطة بها بصورة سليمة.
وفي السياق ذاته، يساعد فهم العلوم وتبسيط نصوصها، على إدراك أهميتها. ومن المحتمل أن يؤدي ذلك أيضاً إلى التأثير في الموارد التي توجّه لدعم البحوث في المجالات العلميّة كلّها.
المال أولاً
يجدر التنبّه إلى أنّ أهمية الإعلام لا تقتصر على شرح العلوم وكذلك استدراج الاستثمارات فيها، بل يساهم في صنع صورة جيّدة عنها تساند تقدم العلوم وبحوثها. واستطراداً، يساعد الإعلام العلمي الدولة والمستثمرين على مدّ يد المساعدة لتلك البحوث التي يصعب إنجازها من دون موارد مادية وبشرية وافرة وكافية. ويوصل ذلك إلى القول إنّ تبسيط النص العلمي هو عملية سياسيّة من الدرجة الأولى، سواء أُدرك ذلك أم لم يُدرك!
وفي سياق متّصل، يعتبر التمويل من أبرز المشاكل التي تعاني منها العلوم والبحوث في العالم العربي (انظر «الحياة» في 26 تشرين الثاني- نوفمبر 2017). إذ تفتقر البحوث العلميّة عربيّاً إلى الموارد الماليّة الذي يُنظر إلى كثير من الدول العربية باعتبارها صاحبة ملاءة ماليّة وافرة. وفي معظم دول العرب، تتدنى موازنة البحوث بحيث تصبح كسراً عشريّاً في المئة (أو أقل بكثير) من الموازنة العامة. ويُردّد كثيرون أن تلك البحوث لا تجدي. والأرجح أنّ هذا الرأي يلاقي صدًى لدى مجموعة من القيّمين على الحكم، ما يثير الريبة في وجود إرادة سياسيّة أحياناً، تقف وراء تجهيل الناس أهمية العلوم ودورها في حياتهم اليوميّة. وفي المقابل، تحاول مجموعة نشطة من الدول العربيّة تعزيز مكانة العلم فيها، ورفع الإنفاق على بحوثه، ما يقضي بلفت نظر صُنّاع القرار فيها إلى أهمية تبسيط النص العلمي (وكذلك نشره في إعلام مختص)، كجزء من عملية انتشار المعرفة بطريقة تساند تلك الجهود الإيجابيّة.
في زاوية أخرى من المشهد المعرفي ذاته، يمرّ التواصل المعرفي عبر عرض العلوم وتبسيطها، إضافة إلى أنّ التفاعل بين الجمهور العام والمختصّين يساهم في إغناء النقاش في المسائل السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والتربويّة والثقافيّة وغيرها.
خطاب غير قمعي عن العِلم والعالَم
يوصل التفكير في مسألة تبسيط العلوم ونشرها، إلى القول أنّ على الباحث أن يتحكّم بخطابه ويعرف كيف يوجهه وإلى من. وفي الدول الصناعية المتقدّمة، تستخدم كثير من المختبرات الكبرى شركات مختصّة في الإعلام والعلاقات العامة، لتحقيق الغرض. ويجدر ملاحظة أنّ أثر تبسيط النص العلمي يمتدّ إلى أبعد من الوصول إلى الجمهور العام، ويطاول النُخب العلميّة نفسها ومؤسساتها ومختبراتها، خصوصاً في الأزمنة المعاصرة التي عادت فيها الاختصاصات إلى التداخل (بالتالي إلى التواصل) بعضها مع بعض. وكذلك يصنع التبسيط لغة مشتركة تعمل على تقريب مجالات متباعدة من بعضها بعضاً، كأن يقيم جسراً بين العلوم الإنسانيّة والمعلوماتيّة أو بين علوم اللغة والكيمياء الحديثة وغيرها.
وفي ملمح آخر، يمكن وصف تبسيط الخطاب العلمي باعتباره جسراً لعبور البحوث بين التخصّصات العلميّة المختلفة، ما يعتبر دعماً لمفهوم «التعدّد في الاختصاص»، الذي ينادي به كثير من الدوائر العلميّة.
بديهي القول أيضاً أنّه بات من الشائع عربياً القول أن نقد الأدب والفنون هو عملية أساسيّة في تطوّرها. وفي المقابل، ثمة غياب لنقد العلم عن اللغة العربيّة وكتابتها ونقاشاتها ومثقفيها. وفي ذلك السياق، من المتوقع أن يؤدي التبسيط إلى طرح أسئلة حول العلوم وأهمية عملها، ما يحثّ البحاثة على التفتيش عن مغزى بحوثهم.
ويُعتبر النقد أيضاً ضرورة فعليّة في تطوير العلوم ودفع بحوثه نحو مجالات من الممكن ألاّ تكون مطروحة إلا بأثر من تبسيط العلوم ونشرها، بالتالي إثارة نقاشات عامة حولها.
هناك رهانات متنوّعة معقودة على العلوم وتطوّرها. إذ يندرج في رهانات المعرفة بناء خطاب معرفي عن العلم والعالم يرتكز على إزالة الالتباس، ونشر مفهوم التعدديّة، والاعتراف بوجهات النظر المتنوعّة، واللجوء إلى الحقائق الحاضرة في حسم الخلافات بطريقة غير قمعيّة وما إلى ذلك.
وبقول مجمل، يساعد الخطاب الثقافي المرتكز على تبسيط النص العلمي أيضاً في إعطاء العلوم معناها كوسيط بين الإنسان والكون، ما يجعل ذلك التبسيط شرطاً من شروط البناء المعرفي للواقع، بل حتى متخيلاته المتنوّعة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث