صدى الشام _ عدنان علي/
من الواضح أن مسار جنيف التفاوضي بين نظام الأسد والمعارضة بات مضيعة للوقت في ظل تهرّب وفد النظام ومن خلفه روسيا عن بحث أية نقاط جديّة على طريق الحل السياسي، بهدف إفشال هذا المسار لصالح خيارات أخرى لديهما، وسط تراجع دور الأطراف الدولية الأخرى التي كان لها تأثير في تحديد أولويات الحل السياسي في سوريا، وخاصة الولايات المتحدة، فيما تنشغل الدول الإقليمية التي كانت تدعم المعارضة بأولوياتها الخاصة.
ضغوط
ورغم عودة وفد النظام إلى جنيف للمشاركة في المرحلة الثانية من جولة التفاوض الثامنة التي انتهت مرحلتها الأولى بلا نتائج، إلا أن مصادر في وفد المعارضة لا تتوقع حدوث أي اختراق خلال هذه الجولة بسبب سياسة التعطيل المتعمدة التي يتبعها النظام بالتنسيق مع روسيا.
وحسب الناطق باسم وفد المعارضة يحيي العريضي فإن أيّ انخراط جدّي للنظام في العملية السياسية يعني نهايته، خاصة أن هذه العملية تستند إلى قرارات دولية وقّعت عليها روسيا التي لم تنفكّ تحاول تهميش بيان جنيف الأول، سواء عبر قرار مجلس الأمن 2254، أو اختراع موضوع المنصّات من أجل نسف مصداقية المعارضة، وكل ذلك بهدف الهروب من جوهر العملية السياسية.
وأعرب العريضي عن اعتقاده بأن لدى روسيا تفكير يتعلق بتهميش مسار جنيف لصالح مسار سوتشي، حيث من المتوقع أن يتم تخصيص جولة أستانا المقبلة في 22 الشهر الجاري للدفع باتجاه سوتشي، بالرغم من أن هذا المسار كان يفترض أن يركز على قضية المعتقلين كما هو متفق عليه مسبقاً مع الأتراك والروس.
وبالإضافة لتوجيه الاهتمام إلى مسار سوتشي، يَسود اعتقاد بأن هدف مماطلة روسيا ونظام الأسد في جنيف هو كسب الوقت من أجل استكمال سيطرة الأخير على المزيد من الأراضي في سوريا في ظل حديث عن انتهاء “مرحلة داعش”، وتركيز النظام على محاولة انتزاع ما هو موجود بيد المعارضة من مناطق سواء في محيط دمشق، أم حماة وإدلب ودرعا.
يأتي ذلك، في وقت أكدت مصادر عدة وجود ضغوط دبلوماسية على وفد المعارضة في جنيف لـ “تجميد” مطلب تنحي رئيس النظام بشار الأسد. وقال عضو في وفد المعارضة: “إن هناك تياراً رماديّاً يتسع داخل الوفد يضغط للمضي بهذا الخيار، لكنّ ممثلي الفصائل العسكرية وبعض السياسيين يواجهونه برفض مطلق، كما أفادت المعارضة بتعرضها لضغوط من أجل القبول بتمثيل “حزب الاتحاد الديمقراطي” الكردي في جنيف.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صرّح أنه بعد انتهاء العمليات في سوريا بالقضاء على “داعش” من المهم البدء بالعملية السياسية، وركّز على ضرورة التحضير وعقد مؤتمر الحوار في سوتشي، ومن ثم إعداد دستور جديد، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بموجبه، ولم يشر أبداً في تصريحاته تلك إلى المفاوضات الحالية في جنيف، ولا إلى العملية السياسية هناك بشكل عام.
الروس والأمريكيون باقون
في الأثناء كان لافتاً إعلان الجيش الروسي رسمياً انتهاء مهمته وهزيمة “داعش” في سوريا، وقال الجنرال كولونيل سيرغي رودسكوي، المسؤول عن إدارة عمليات القيادة العامة للجيش الروسي، إن القوات الروسية في سوريا تهتم الآن بالحفاظ على اتفاقات وقف إطلاق النار في مناطق “خفض التصعيد” واستئناف مظاهر العيش في سلام.
ورغم هذا الإعلان فإن نائب رئيس لجنة الدفاع بمجلس الدوما الروسي، يوري شفيتكين، رجّح أن تبقي روسيا على قواعدها العسكرية في سوريا، للحيلولة دون تفاقم الأوضاع من جديد، حسب تعبيره.
وسبق لنائب وزير الخارجية الروسي، أوليغ سيرومولوتوف، أن صرح بأن مسألة سحب القوات الروسية من سوريا بعد الانتصار على تنظيم “داعش” مرتبطة بالأوضاع هناك، مؤكداً أن القاعدتين العسكريتين الروسيتين في حميميم وطرطوس ستبقيان.
ومن جهته، قال المتحدث باسم البنتاغون اريك باهون إن الولايات المتحدة ستحتفظ بوجود عسكري لها في سوريا “طالما كان ذلك ضرورياً، لدعم شركائنا ومنع عودة الجماعات الإرهابية” إلى هذا البلد حسب تعبيره.
انحسار
وعلى الأرض، واصل تنظيم “داعش” انحساره أمام قوات النظام والميليشيات الكردية في ريف دير الزور شرقي سوريا، في حين تمدّد في ريف حماة وسط البلاد، على حساب فصائل المعارضة وبمساعدة مباشرة من الطيران الروسي.
وأعلنت قوات النظام سيطرتها على كامل مدن وبلدات حوض نهر الفرات بريف ديرالزور الشرقي.
ولا يزال التنظيم يسيطر على قرابة عشرين قرية في الضفة الشرقية لنهر الفرات حيث تدور معارك مع ميليشيات “قوات سورية الديمقراطية” التي تحاول السيطرة على آخر معاقل التنظيم في المحافظة.
وتشير خريطة السيطرة على الأرض شرق الفرات إلى أن قوات ” قسد ” تقف على مشارف بلدة هجين على بعد أقل من 25 كيلو متراً عن الحدود السورية- العراقية.
ومع هذا التقدم، ينحصر وجود “داعش” شرقي سوريا في ثلاثة جيوب تتوزع بين نقاط سيطرة قوات النظام وقوات (قسد)؛ أكبرها مساحةً يقع بين محافظتي دير الزور والحسكة ضمن نقاط سيطرة الميليشيات الكردية والذي يمتد على مساحة 400 كيلومتر مربع، بدءً من حدود محافظة الحسكة شمالًا، إلى المنطقة الشمالية الشرقية من البوكمال، على طول الحدود السورية مع العراق.
وبالتزامن مع هذه التطورات، يواصل الطيران الحربي متعدد الجنسيات ارتكاب المجازر بحق المدنيين في شرقي البلاد، وآخرها مجزرة بلدة “الجرذي الغربي” في ريف دير الزور الشرقي، إذ أسفر قصف جوّي روسي عن سقوط 23 قتيلاً، إضافة إلى إصابة عشرات المدنيين بينهم نساء و أطفال.
وتأتي هذه المجزرة بعد أيام قليلة من الاتفاق الكردي الروسي، والذي أعلنت فيه ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية التنسيق مع الروس، وتنفيذ عمليات مشتركة بينهما في دير الزور، كما شهدت بلدة الشعفة في الريف الشرقي جنوبي نهر الفرات مجزرة أخرى، بعد تعرضها لقصف بقذائف الهاون، تزامناً مع قصف مماثل تتعرض له بلدات وقرى الضفة الشمالية للنهر.
محاولة خلط أوراق
وفي مقابل انحساره في شرقي البلاد، نجح تنظيم “داعش” في التمدد في وسطها، وتحديداً في الريف الحموي على حساب فصائل المعارضة، وذلك بالتزامن مع غارات كثيفة يشنها الطيران الروسي على مواقع المعارضة في المنطقة.
ويشهد ريف حماة الشرقي معارك ثلاثية بين “هيئة تحرير الشام” ومعها بعض فصائل “الجيش الحر” من جهة، وقوات النظام ميليشياته وتنظيم “داعش” من جهة أخرى، وحقق الطرفان الأخيران في هذه المعارك تقدماً ملحوظاً في الآونة الأخيرة على حساب فصائل المعارضة، ما جعلهما أقرب من أي وقت مضى إلى الحدود الادارية لإدلب؛ المحافظة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة السورية.
وقد أثارت هذه التطورات مخاوف من عودة “داعش” إلى محافظة ادلب بعد ثلاث سنوات من انسحابه من المنطقة بشكل كامل، إثر سلسلة عمليات عسكرية شنتها فصائل المعارضة و”جبهة النصرة” ضد التنظيم في عام 2014، كان آخرها من مدينتي الدانا وبنش.
ومنذ منتصف تشرين الثاني الماضي، لم تهدأ محاولات التنظيم للتقدم باتجاه إدلب، مستغلًا انشغال فصائل المعارضة بصّد محاولات قوات النظام المدعومة بالطيران الحربي الروسي الذي يقدّم تغطية مشتركة على الجبهتين ضد فصائل المعارضة.
وقالت مصادر إعلامية من المنطقة إن فلول التنظيم تزحف بشكل كبير في الريف الشرقي لحماة، ووصلت إلى أطراف قرى “حوايس، ابن هديب، حوايس أم الجرن وجبل الحوايس” والتي تلامس حدود إدلب الإدارية.
وبهذا تدخل المعارك مع التنظيم مرحلة جديدة في ظل تنسيق واضح مع قوات النظام وروسيا التي وفّر طيرانها دعماً جوياً مباشراً لعناصر التنظيم في معاركهم ضد “هيئة تحرير الشام” وفصائل المعارضة.
كما يساهم في تمدّد التنظيم وجود العديد من “الخلايا النائمة” في مناطق المعارضة التي تنهض مع وصول عناصر التنظيم الى مناطقها، خاصة من فلول “لواء الأقصى” المنتشرة في مناطق المعارضة والتي باتت تلتحق بالتنظيم وتسانده بشكل علني.
ويقول ناشطون إن هذا التمدد بات يشكل خطراً يهدد المنطقة بأكملها في حال وصل عناصر التنظيم إلى المدن الرئيسة وتغلغل فيها، لاسيما منطقة سنجار وأبو الظهور أو مدينة خان شيخون، وأضاف هؤلاء أن هدف النظام هو فتح جبهات جديدة أمام مقاتلي المعارضة بهدف إشغالهم وتشتيت قدراتهم على مواجهة قوات النظام التي تحاول التوسع في المنطقة من جهة، ومحاولة إدخال عناصر “داعش” إلى محافظة إدلب من جهة أخرى، بهدف خلط الأوراق هناك، وتبرير استهداف المحافظة في المرحلة المقبلة بحجة وجود تنظيم داعش فيها.
من جهتها، شنّت قوات النظام والميليشيات المساندة هجوماً واسعاً على مواقع “هيئة تحرير الشام” في قرية أبو دالي بريف إدلب الجنوبي، بالتزامن مع قصف مدفعي وصاروخي مركّز على القرية، وغارات روسية مكثفة.
وقالت مصادر محلية إن قوات النظام سيطرت أيضاً على أم كاظمية وتلّتها، ووصلت إلى أم تريكية التي تتبع إلى محافظة إدلب، وهي تحاول الوصول إلى تل خنزير والمشيرفة، التي تعتبر أقرب نقطة باتجاه أبو دالي، في محاولة منها الوصول إلى مطار أبو الضهور العسكري، والتي تدعي أنه من حقها ضمن اتفاق أستانا، الأمر الذي نفته المعارضة السورية.
وجاء ذلك عقب سيطرة قوات النظام على قرية البليل وتلتها المحاذية للحدود الإدارية لمدينة إدلب، بعد معارك عنيفة، أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين عنصراً من قوات النظام على أطرافها، في حين، فشلت قوات النظام في إحراز تقدم نحو بلدة الشطيب جنوب إدلب، رغم قصف الطيران الروسي للقرية بعشرات الغارات الجوية.
ويتزامن ذلك مع معارك مماثلة في ريف حلب الجنوبي، حيث تشن الطائرات الروسية عشرات الغارات الجوية على قرى وبلدات المنطقة بالتزامن مع عمليات النظام العسكرية التي تستهدف الوصول إلى مطار أبو الضهور العسكري شرقي إدلب.
هجمات في الجنوب
وفي جنوبي البلاد، نفى “اتحاد قوات جبل الشيخ” التابع للجيش السوري الحر، تقدّم قوات نظام الأسد إلى تلة “شهاب” القريبة من قرية مزرعة بيت جن.
وقال المكتب الإعلامي في الاتحاد “إن قوات النظام تحاول يومياً التقدم على أطراف قرية مزرعة بيت جن، وتعتمد في تقدمها على سياسة الأرض المحروقة، لكنّ ما أشاعته وسائل إعلام تابعة للنظام عن سيطرة عناصره على تلة شهاب، عارٍ عن الصحة وإنما تدور معارك كر وفر بين الجيش الحر وقوات النظام هناك”.
كما تحدثت مصادر في الجنوب السوري عن تحركات لميليشيا “حزب الله” اللبناني وقوات النظام فيما يعرف بمنطقة “مثلث الموت” بالجنوب السوري، والتي تمثل منطقة التقاء ريف درعا الشمالي مع ريف دمشق الغربي وريف القنيطرة الجنوبي.
وقالت المصادر إنه يجري استقدام تعزيزات عسكرية من جانب الحزب والنظام للمنطقة، ضمّت نحو 400 عنصراً وأسلحة ثقيلة من راجمات صواريخ ومدافع ميدان ودبابات.
وتوقَّعت المصادر أن يشن النظام والميليشيات المساندة له حملة عسكرية، للسيطرة على بلدتي الصمدانية الغربية والحميدية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث