صدى الشام – ريان محمد /
منذ سنوات والسوريون يتداولون مصطلح “التعفيش” في إشارة إلى عمليات نهب محتويات المنازل والمحال والمؤسسات في المناطق التي كانت تقتحمها وتسيطر عليها قوات النظام والميليشيات الموالية لها.
ولطالما كان لهذه العمليات تبريرات جاهزة تسوّغ السرقة، من قبيل اعتبار الممتلكات “غنائم حرب” أو “مصادرات من الإرهابيين” ليتم لاحقاً بيعها بطرق مختلفة.
ومع مرور الوقت أظهرت مجريات المعارك على امتداد سوريا أن هذه الظاهرة ليست حكراً على قوات النظام بل إن ميليشيات أخرى لا تتورع عن القيام بالممارسات نفسها وعلى نطاق أوسع في بعض الأحيان كما هو الحال مع “قوات سورية الديمقراطية”.
تفريغ المنازل
لو عقدنا مقارنة بسيطة قد نجد أن أكبر عمليات التعفيش في سوريا وقعت على يد “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) في مدينة الرقة.
وعقب سيطرتها على المدينة مؤخراً توالت الشكاوى والشهادات التي خرجت من أهالي وناشطين أكّدوا أن عناصر “قسد” نهبوا كل ما يمكن نهبه، كما نقلوا ما استطاعوا نقله إلى مؤسساتهم، ومنه ما تركوه كـ “مكافأة” لبعض المقاتلين ليبيعوه لاحقاً.
بعد هذه العمليات بات على من يفكّر بالعودة إلى الرقة أن يضع في حسبانه وضع بيته الحالي، يقول أبو محمد، وهو نازح من مدينة الرقة يعيش في أحد المخيمات “أنتظر أن يُسمح لنا بالعودة لمنازلنا بفارغ الصبر، فهي تبقى أفضل من المخيمات التي نسكنها، وحتى لو كان منزلي قد تعرض للنهب، فأنا أدعو الله يومياً أن لا يكون مُدمراً، فهو جنى عمري والشيء الوحيد الذي أملكه في سوريا“، لكن وفي الوقت ذاته لا يستطيع أبو محمد تجاوز معضلة ما بعد العودة “في بعض الأحيان أسأل نفسي بماذا سأفرش المنزل إذا وجدته خالياً، أنا لا أملك المال لشراء أثاث جديد، قد يسمح لي بأخذ فرشات الخيمة التي أسكنها، لكن إن لم يسمحوا لنا بذلك سنجلس على الأرض”.
بين الحرام والتبرير
في مدينة الحسكة انتعش سوق البضائع المسروقة أو المعفشة بعد السيطرة على الرقة، وخاصة المفروشات المنزلية والأدوات الكهربائية، وبأسعار منخفضة مقارنة بالأسعار المتداولة في الأسواق.
وتؤكد مصادر محلية من الحسكة -طلبت عدم الكشف عن هويتها- لـ “صدى الشام” أن “هناك من الأهالي من يرفض شراء هذه البضائع المسروقة، ويعتبرها مالاً حرامًا، وهناك بالمقابل من يقول إنها بضائع مسروقة ويبرر لنفسه الحصول عليها من منطلق أنه يحتاجها، وإن لم يشتريها هو فسيشتريها غيره”.
وتضيف المصادر “هناك فئة تعتبر أن التعفيش حق للعناصر التي قاتلت وطردت داعش، خصوصاً أن أصحاب تلك المنازل والمحال قبلوا العيش تحت سلطة التنظيم وكانوا متعاطفين معه“، على حد قولهم.
غرباء في مدينتهم
لم تأت عمليات التعفيش في الرقة من باب المصادفة بل كان مخططاً لها وفقاً لما يؤكده الناشط الإعلامي صهيب الحسكاوي، ويوضح الناشط لـ “صدى الشام” أنه “بعد انتهاء معركة الرقة قامت قيادة قسد بإعطاء إجازات للعناصر العربية فيها نحو 9 أيام، ولم يبقَ إلى جانب العناصر الكردية سوى قلة قليلة، حينها بدأت عملية التعفيش عبر نهب ما تبقى في مشفى الرقة المقصوف من أجهزة طبية ومستلزمات وأدوية ومولدات كهرباء في المشفى وخارجه، إضافة إلى ما وجد في المدينة من أدوات وأسلاك كهربائية وحديد السكك الحديدية، وحديد الملعب البلدي، حيث جرى نقلها إلى مدينة عين عرب (كوباني)”.
ويضيف “أما تعفيش المنازل فقد قام به العناصر معتبرين أنه جزء من مكافأتهم على خوضهم للمعركة، وقد نهبوا من المنازل كل ما يمكن نقله، فعادت المنازل على الهيكل البيتوني، وهناك من أخذ حديد الأبنية المدمرة”.
وعقب تعفيش المنازل في مدينة الرقة اشتهرت مناطق لبيع تلك المسروقات كصالة في عين عرب وسوق التروازية أو سوق الخميس.
ويشير الناشط إلى أنه “كان هناك سوق للأغنام يقع على طريق حلب الحسكة بالقرب من القنطري على الحدود الإدارية بين الرقة والحسكة، لكنه تحول لاحقاً إلى سوق لبيع الأثاث المنزلي المسروق، ويقوم على بيعه أكراد وعرب“، ويتابع “طبعاً التعفيش طال كل شيء، من صيدليات ومتاجر ومواد غذائية، وتمّ نقلها إلى القامشلي ورأس العين”.
لكن ما هو الحال مع عودة قسم من النازحين؟ يجيب الناشط أنه عقب السماح لأهالي “الرقة السمرة” بالعودة، عاد نحو 50% منهم فقط، وهؤلاء وجدوا بيوتهم منهوبة بشكل كامل، أما البقية فإن منازلهم مدمرة بشكل كبير”.
ويلفت الحسكاوي إلى أنه “خلال الأيام القليلة الماضية تم توزيع بطانيات على الحواجز المتواجدة بين الرقة والحسكة، جميعها مسروقة من المنازل”، مبيناً أن هناك مخاوفاً اليوم من أن يخسر أهل الرقة ملكية منازلهم وعقاراتهم، فبعض النازحين يعرضون بيع منازلهم المدمرة بأي سعر، كما أن البلديات تطلب من النازحين إثباتات ملكيتهم لمنازلهم وعقاراتهم بشكل قانوني وخاصة المزارع المحيطة بالرقة، وإلا فإن عليهم دفع إيجار المنازل التي يقيمون بها أو أن يرحلوا منها، كل ذلك مع أنه معلوم للجميع كيف أن الغالبية العظمى هربوا تحت القصف ولم ياخذوا معهم سوى الثياب التي كانت عليهم”.
يذكر إلى أن “قسد” ما تزال تمنع أهل الرقة من العودة وتفقد منازلهم، بحجة وجود ألغام وعبوات ناسفة في المدينة يتم العمل على إزالتها حالياً، ولا يوجد هناك موعد محدد للانتهاء من تلك العملية.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث