صدى الشام _ عدنان علي/
بالرغم من التطورات المتسارعة في أنحاء سورية سواء على الصعيد العسكري حيث يتجه تنظيم “داعش” الى الانحسار مقابل مزيد من التمدد للنظام السوري، أم على الصعيد السياسي حيث ثمة جهود دولية لإعادة تعويم نظام بشار الأسد، والعبث بمرجعيات الحل السياسي التي اعتمدتها الأمم المتحدة والقائمة على مبادئ جنيف وعملية الانتقال السياسي، إلا أن الأوضاع في البلاد ما تزال أبعد ما تكون عن الحسم أو الاستقرار، حيث تموج الساحة بالمتغيرات، وتتبدل التحالفات، باتجاه بلورة عمليات الاصطفاف التي تسبق رسم الصورة النهائية لسوريا المستقبل، وما هي حصة كل طرف إقليمي ودولي فيها، فضلاً عن حصة الأطراف المحلية.
وفي الطريق إلى رسم الصورة، وتوزيع الحصص، يشتد الصراع، ويغدو أكثر شراسة، ويقل التزام كل الأطراف بالاتفاقيات والعهود، حيث يسعى كل طرف إلى تكبير حصته، وفرض رؤيته لمستقبل البلاد التي يحاول نظام الأسد مدعوماً بحلفائه الإيرانيين والروس استعادتها كاملة تحت رايته وسيادته، وتنشغل الدول الكبرى في تأمين مصالحها الخاصة، بينما تبدو قوى المعارضة مثل الأيتام على مأدبة اللئام، جلّ ما عندها الاستنكار والتنديد والمطالبة، مع القيام ببعض الحركات اليائسة مثل المعركة التي أطلقتها في حماة والتي لا أفق استراتيجياً لها باستثناء اللعب في الوقت الضائع.
حملة واسعة
على مدار الأسبوع الماضي، شنت الطائرات الروسية ومعها طائرات النظام حملة قصف واسعة شملت مناطق في محافظات إدلب وحماة وحلب وريف دمشق، ما أسفر عن مقتل وإصابة مئات الأشخاص من مدنيين وعسكريين، متذرعةً بالعملية العسكرية التي أعلنت عنها “هيئة تحرير الشام” في حماة وانضمت إليها لاحقاً عدة فصائل احتجاجاً على توسع القصف ليشمل مقرّاتها وأهدافاً مدنية كثيرة. كما قتل وأصيب نحو خمسين شخصا بينهم أطفال، جراء قصف جوي روسي على قرية تل مرديخ جنوب شرق مدينة إدلب حيث يتنشر “فيلق الشام” المصنف كفصيل معتدل والمشارك في مفاوضات أستانا، وقد قتل نحو عشرين من أفراد الفيلق. ومن الواضح أن الطيران الروسي تعمّد قصف مقرات الفصائل المشاركة في مؤتمر “أستانا6″، حيث حاول اغتيال قادة في صفوف “حركة أحرار الشام”، و”صقور الشام”، وذلك من خلال قصف مباشر استهدف مقرّاتهم.
وشمل القصف المناطق المدنية والمراكز الطبية والخدمية ومراكز الدفاع المدني. وأحصى الدفاع المدني في محافظة إدلب، أكثر من تسعين غارة بالصواريخ الفراغية على مراكز تابعة له ومشافي وأحياء سكنية بالمحافظة خلال يومين فقط .
ووثق ناشطون مقتل أكثر من 40 مدنياً بينهم 10 أطفال ونساء وجرح العشرات خلال خمسة أيام نتيجة الغارات الروسية التي طالت أكثر من 13 قرية وبلدة بريف إدلب. وركزت تلك الغارات على المشافي والنقاط الطبية بريف إدلب، ما تسبب بخروج بعضها عن الخدمة وتضرر الأخرى حيث طال القصف كلاً من “مشفى الرحمة” و”مشفى أورينت” و”مشفى التوليد” و”مشفى تلمنس” و”مشفى حاس” إضافة لمركز كفرنبل الجراحي ومقر منظومة إسعافية ببلدة معر زيتا.
ولم يقتصر القصف على المناطق المدنية والمراكز الطبية فقط، حيث استهدف الطيران مناطق حيوية وخدمية ومدارس بريف إدلب، بينها مركز الدفاع المدني في مدينة خان شيخون ومحطة كهرباء بلدة كفرعين ومقر الدفاع المدني بمدينة كفرنبل ومدرسة تحوي نازحين في بلدة الهبيط بريف إدلب.
في غضون ذلك، واصلت تركيا حشد قوات على أطراف إدلب تمهيداً لما يعتقد أنها عملية عسكرية في المحافظة تستهدف تصفية “هيئة تحرير الشام” أو توليد ضغط على الهيئة يدفع باتجاه تفكيكها سلميّاً وتشكيل إدارة مدنية للمدينة. وقد وصلت قافلة تعزيزات عسكرية تركية إضافية إلى قضاء “ريحانلي” بولاية هطاي التركية، المتاخمة للحدود مع سوريا، واجتازت معبر “جلوة غوزو” بقضاء ريحانلي جنوبي تركيا المقابل لمعبر “باب الهوى” على الجانب السوري، وتمركزت في المنطقة الفاصلة بين المعبرين، حسب وكالة الأناضول التركية.
صراع على الثروات
وفي شرق البلاد، يشتد الصراع على الأرض والثروات حيث تندفع قوات النظام مدعومة بالميليشيات الايرانية والغطاء الجوي الروسي بكل طاقتها للاستحواذ على أوسع ما يمكنها من تركة “داعش” في محافظة دير الزور وريف الرقة لتصل إلى مناطق التماس مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وتحدث أولى بوادر التصادم بين الطرفين الطامعين في الاستحواذ على تلك التركة وما تتضمنه من ثروات باطنية ومائية وزراعية.
ولعل التطور الأبرز الذي حملته الأيام الماضية هو سقوط مدينة الرقة تقريباً بيد قوات “قسد” حيث تنحصر مقاومة تنظيم “داعش” في بعض الشوارع القليلة وذلك بعد حملة عسكرية استمرت لأشهر، ذهب ضحيتها مئات المدنيين وتهجر الآلاف وباتت أحياؤها شبه أنقاض.
وكان النظام السوري خسر مدينة الرقة منتصف العام 2013، وخضعت لسيطرة فصائل إسلامية آنذاك (حركة أحرار الشام، جبهة النصرة) إلى جانب وجود ضيق لتنظيم “داعش” الذي توسع تدريجيًا ليبتلع المدينة كلها، وتصبح منذ مطلع العام 2014 عاصمته في سوريا.
ومع السيطرة الكاملة على المدينة تستكمل خريطة الفيدرالية التي تعمل عليها “قوات سوريا الديمقراطية” في الشمال السوري، ولتُجري في إطارها انتخابات الكومينتات في مناطق سيطرة الادارة الذاتية الكردية والتي تشتمل بشكل رئيسي على مناطق عفرين، الفرات، الجزيرة.
ولم تكتفِ “قسد” بالسيطرة على الرقة، بل عملت على التمدد شرقاً باتجاه ريف دير الزور حيث سيطرت على حقل “كونيكو” النفطي في الريف الشرقي بعد معارك مع “داعش”، ورفعت قوات التحالف الدولي العلم الأمريكي فوق الحقل. وسيطرت ميليشيات “قسد” على المنطقة الممتدة بين سكة القطار والبادية الشمالية لمنطقة خشام شرق دير الزور، واتجهت نحو حقل الجفرة، في حين حشدت قوات النظام والميليشيات المساندة لها قرابة 1500 مقاتل، ومجموعة من الدبابات والآليات العسكرية في منطقة الجفرة، تحضيراً للعبور إلى الضفة الشرقية للنهر، بينما عمدت “قسد” الى فتح البوابات المائية في سدي الفرات والمنصورة بمدينة الطبقة، لزيادة منسوب مياه نهر الفرات، وإعاقة قوات النظام والميليشيات الإيرانية والقوات الروسية في عملية عبور النهر.
ضريبة باهظة
ومع اشتداد حدة المعارك في محافظة دير الزور بين الأطراف المتصارعة، تشهد أرياف المدينة حركة نزوح واسعة للمدنيين، بسبب اشتداد القصف وتردّي الأوضاع الأمنية والمعيشية.
كما يخوض النظام معاركه في دير الزور محاولاً السيطرة على ما تبقى من أحياء فيها بيد “داعش” غير مبالٍ بالخسائر الكبيرة التي يقول التنظيم إنه يكبدها لقواته.
وحسب “وكالة أعماق” الناطقة باسم تنظيم “داعش” فإن النظام والميليشيات التي تسانده، تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، خلال المعارك التي شهدتها حويجة صكر، حيث قتل العشرات منهم في مواجهات بين الجانبين، واستهدافهم بعربة مفخخة. ووفقاً للوكالة فإن معارك حويجة صكر، أسفرت عن مقتل وإصابة ما بين 70 و80 مقاتلاً لقوات النظام والميليشيات التي تقاتل إلى جانبه، بينهم قائد العمليات وهو برتبة عميد. وكانت “وكالة أعماق” أعلنت قبل ذلك عن مقتل تسعة من عناصر النظام، بينهم ضابط برتبة عميد، خلال المواجهات بين الجانبين.
وقُتل 30 عنصراً من قوات النظام والميليشيات الأجنبية والمحلية التابعة له، جراء هجوم مباغت لتنظيم “داعش” في قرية خشام بريف مدينة دير الزور الشرقي.
حشود في الجنوب
ومع استشعار النظام بالقوة وازدياد ثقته بنفسه، وقدرته على فرض سيطرته على أنحاء البلاد كافة، شنت قواته هجوماً على بلدة بيت جن في ريف دمشق الجنوبي الغربي وعلى بلدات أخرى في ريف محافظة القنيطرة، كما أنها راحت تحشد في محافظة درعا، وسط مؤشرات على تجدد العمليات العسكرية في المنطقة الجنوبية في خرق لاتفاق “وقف التصعيد” .
وأرسلت قوات النظام تعزيزات كبيرة إلى محيط بلدة بيت جن، وذلك بعد أيام من تهديد قائد الفرقة الأولى في قوات النظام اللواء زهير الأسد لأهالي البلدة، وضمّت هذه التعزيزات عشرات الدبابات والعربات والآليات العسكرية التي تمركزت على أطراف البلدة المحاصرة من قبل قوات النظام والميلشيات التابعة لها، مع ملاحظة وجود حشود لميليشيا “حزب الله” اللبناني في مدينتي البعث، وخان أرنبة، وهو ما اعتبرته فصائل معارضة تحضيراً لعمل عسكري وشيك في محافظة القنيطرة.
وتعتبر بلدة “بيت جن” المعقل الأخير لفصائل المعارضة غرب العاصمة، وذلك بعد تمكن قوات النظام من السيطرة على معظم البلدات هناك إثر اتفاق مدينة داريا العام المنصرم، والذي تبعه عمليات ترحيل لمقاتلي وأهالي المعضمية وخان الشيح وزاكية وغيرها من بلدات الغوطة الغربية. وكانت المنطقة شهدت معارك مطلع الشهر الجاري، في محاولة من فصائل المعارضة لفك الحصار والتواصل مع ريف القنيطرة.
وفي محافظة درعا المجاورة، تعرضت مناطق عدة لقصف من قوات النظام وسط تعزيزات وتحركات عسكرية مكثفة لقوات النظام خلال الأيام الأخيرة خاصة في محيط درعا البلد حيث تسود توقعات بأن تقوم تلك القوات بعملية عسكرية في المنطقة بهدف الوصول الى منطقة الجمرك على الحدود مع الاردن، أو محاولة السيطرة على مناطق في ريف درعا الشرقي خاصة مدن “بصرى الشام وإنخل وبصر الحرير”.
وفيما نفت فصائل في الجنوب إجراء مفاوضات مع النظام السوري لتسليم معبر نصيب، أشارت مصادر الى أن ممثلين عن المعارضة في درعا اجتمعوا مع الحكومة الأردنية، لبحث قضية إعادة فتح معبر نصيب، غير أن الاجتماع لم يتكلل بالنجاح، مشيرة الى أن الجانب الأردني تقدم بعدة مقترحات لإعادة تشغيل المعبر، تتضمن إدارة مشتركة للمعبر بين النظام والمعارضة بضمانة أردنية، إلا أن النظام رفضها كلها مصراً على أن يتولى هو وحده إدارة المعبر والطريق المؤدي له، دون أي دور لفصائل المعارضة، كما رفض نقل المعبر إلى محافظة السويداء.
وكان مسؤولون في النظام السوري قالوا أنه سيتم قريباً جداً افتتاح معبر نصيب الحدودي، بينما تحدثت وسائل إعلام أردنية عن موافقة المعارضة على تسليم المعبر للنظام السوري، بعد اتفاق برعاية أردنية- روسية، يتضمن الإفراج عن نحو 100 معتقل، إلا أنها لم تُؤكَّد من مصدر رسمي.
ورأى مراقبون أن رفض النظام لكل المقترحات المتعلقة بادارة المعبر، وتمسكه بإدارته منفرداً، يعكس روح القوة والانتصار التي يستشعر بها، خاصة بعد تمدد قواته في شرق البلاد، مما يجعل الوضع في المنطقة الجنوبية مرشحاً للتدهور العسكري خلال المرحلة المقبلة، إذ قد يحاول النظام فرض إرادته بالقوة متجاهلاً اتفاق “خفض التصعيد” الذي تم التوصل إليه في وقت سابق بين روسيا والولايات المتحدة والأردن.
وفي هذا السياق جاء الاتفاق على ترحيل مقاتلين من المعارضة ومدنيين من منطقة القدم، جنوب دمشق إلى الشمال السوري، وتحديداً مدينتي إدلب وجرابلس.
وينص الاتفاق على خروج الأهالي والفصائل من مناطق المادنية، بورسعيد، والمجمع الصناعي داخل الحي، على أن يتم يتولى حماية الحي المقاتلون الذين يرفضون الخروج والذين سينتظمون في تشكيل جديد تحت مسمى “الجيش الوطني” ضمن سياق المصالحة الوطنية، وذلك لحماية الحي من تنظيم “داعش”، الذي ينتشر في محيط المنطقة.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث