الرئيسية / رأي / نحن “السوريين” خونة ومرتدون (2-2)

نحن “السوريين” خونة ومرتدون (2-2)

صدى الشام _ ثائر الزعروع /

استكمالاً لما بدأناه الأسبوع الماضي، لفت انتباهي عدد من التعليقات التي وضعها عدد من القراء على صفحة “صدى الشام” على الفيس بوك تعليقاً على أحد المواضيع المنشورة في الصفحة نقلاً عن جريدة صدى الشام، التعليق حرفياً يقول:” أنتم صفحة إسرائيلية”، وهذا اتهام مباشر بالخيانة، فأن تتهم الصحيفة بأنها إسرائيلية لمجرد أن إحدى موادها لم تعجبك، أو أنها أغضبتك، فهذا أول غيث تورطنا في لعبة الاتهام التي لا تنتهي، ولن تنتهي.

ينبغي التفريق بين خيانة وعمالة، وما بين اختلاف في الرأي حتى إن لم يعجبنا ذلك الرأي، وقد سمعت من ناشطين تخويناً لبعض المعارضين يتهمونهم بأنهم قبضوا ثمن سوريا وباعوها رخيصة لمن يدفع أكثر، واعتبر أولئك الناشطين أنهم هم أكثر وطنية من أولئك المعارضين، طبعاً لا يختلف اثنان على سوء أداء المعارضين، بل وغباء بعضهم في الكثير من المواقف، وأنا شخصياً أعتقد أنهم حملوا حملاً لم يُقدِّروا ثقله، وبدؤوا يتملصون منه واحداً بعد الآخر، غير أني لا أستطيع أن أعيّن نفسي وصياً على وطنيتهم، فأبدأ بتوزيع شهادات الوطنية على طريقة نظام دمشق، الذي قال رأسه مرة إن السوري ليس هو من يحمل الجنسية السورية ولكن من يدافع عن سوريا، وهكذا ببساطة ألغى أكثر من نصفنا بجملة واحدة، الدفاع عن سوريا وفق مفهومه هو الدفاع عن كرسيه طبعاً، ما عدا ذلك يعتبر خيانة! تصوروا.

الخيانة هي زنى فكري تستوجب أدلة لتحققها، وكما أن واقعة الزنى تستوجب وجود شهود لم يسمعوا، ولا قيل عن قال، بل أدلة ملموسة محسوسة، وأن تكون أنت شاهداً عليها، هل رأيت أولئك المعارضين مثلاً يتلقون أوامر التخريب والتدمير من جهات مشبوهة؟ لا. إذاً لا بد أن نطوي هذه التهمة، وأن نكتفي بوصفهم بالأغبياء، كي لا يستغرقنا هذا الموضوع أكثر، الأمثلة التي سأسوقها اليوم هي أمثلة واقعية، حدثت في سوريا.

الحادثة الأولى: في إحدى المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش، كان ثمة خلاف قديم على أرض بين أبناء عمومة، وكان ذلك الخلاف المستمر منذ عشرة سنوات تقريباً قد وصل إلى المحاكم، لأن العائلة التي تزرع الأرض ورثتها عن أبيها الذي ورثها عن أبيه، بينما يطالب أبناء عمومتهم، وهم أكثرية، بحق في تلك الأرض، وهم لا حق لهم بها، فالجدّ مالك الأرض ليس جدهم ولكن ابن عم أبيهم. ما إن دخل تنظيم داعش تلك المنطقة منذ ثلاث سنوات حتى وجد أولاد العم الفرصة مناسبة لهم للانقضاض على تلك الأرض، والاستيلاء عليها، فتقدم أحد أبنائهم وبايع التنظيم، ثم أخبر التنظيم أن ابن عمه أحد مالكي الأرض هو من مقاتلي الجيش الحر السابقين، فاعتقل الشاب وكاد أن يُقتل، لكن الواشي تدخل وتعهد بأن يبتعد الشاب هو وأهله عن المنطقة، وهذا ما حدث فقد فرت العائلة مالكة الأرض نساء ورجالاً من المدينة وضاقت بهم الأرض حتى وجدوا أنفسهم في أحد المخيمات على الحدود التركية، واستولى أبناء عمومتهم المتدعشنون على الأرض، ومع أن المدينة كلها تعلم أن لا حق لهم، لكن خسارة أرض أفضل من تهمة الردة.

الحادثة الثانية: تقول امرأة إن زوج ابنتها الذي كان يعمل مساعداً فنياً في واحدة من مؤسسات القطاع العام، قد تبدل تبدلاً كبيراً، فقد صار ذلك الشاب الثلاثيني عضواً نشطاً في المسيرات المؤيدة للنظام في بداية الثورة، وكان يخاف إن لم يخرج في تلك المسيرات أن يقطع رزقه ويطرد من عمله ويعتقل كما يعتقل الآخرون، لكن الأمر لم يتوقف عند هذه الحدود فالشاب بدا كمن أعجبته اللعبة وصار يرافق عناصر الأمن في جولاتهم على الأحياء، ثم صار شبيحاً، هكذا ببساطة، تحول من مساعد فني إلى شبيح يطارد الشباب في الأحياء، وينهال عليهم ضرباً بعصا كان يحملها معه أينما ذهب، حين حاول عمه والد زوجته أن يحادثه في الأمر هدده؛ نعم هدده بأن يبلغ عنه “الشباب” لأنه ضد الوطن، هذه الحادثة جعلت الابنة (زوجة الشاب) تخاف منه، ولم تعد قادرة على العيش معه. تقول المرأة نحن لسنا عائلة معارضة، لكننا “على باب الله” ” نمشي الحيط الحيط ونقول يا رب الستر” لكن الستر لم يعجب الصهر الذي “تفرعن” فهدد زوجته بأن يحبس أباها وشقيقها، إن لم ترضخ له وتسمع كلامه، تقول المرأة إن حياتهم وحياة ابنتها صارت جحيماً، فقرروا الفرار والنجاة بأرواحهم، وفي أحد الأيام وبينما كان مسافراً في مهمة “تشبيحية” في إحدى المحافظات، فرت العائلة كلها إلى لبنان، كان هذا قبل أن يتحول السفر إلى لبنان إلى حلم، تعيش العائلة في لبنان اليوم ظروفاً مأساوية، وهم ينتظرون رحمة ربهم.

هاتان حادثتان لكن ربما هناك مئات وربما آلاف الحوادث المشابهة، والتي حدثت خلال السنوات الست الماضية. مَن الخائن ومن الوطني؟ من المؤمن ومن المرتد؟  يستطيع الزوج من منظوره هو أن يتهم زوجته وأهلها بالخيانة، وقد قالت المرأة إن زوج ابنتها خائن.

كلٌ يرى الأمر من وجهة نظره، كل المعارضين “خونة” كل الموالين “خونة” أيضاً…. من بقي من السوريين إذاً؟!

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *