أحمد العربي
بلغ متوسط إنتاج القمح في سورية نحو 3.5 مليون طن قبل الأزمة، وهو
ما يكفي لتلبية الطلب المحلي ويسمح بتصدير كميات للخارج، وذلك بفضل عوامل أهمها استخدام
مياه نهر الفرات في ري المزروعات في منطقة الجزيرة، والتي تعد السلة الغذائية للبلاد،
والتي تشمل الضفة الشرقية لنهر الفرات وتضم محافظات دير الزور والرقة والحسكة.
حافظت سورية في العقدين الأخيرين على المساحة المزروعة بالقمح والبالغة نحو
1.6 مليون هكتار (تشكل المساحة المروية منها 0.73 مليون هكتار، أي ما نسبته 43 بالمئة،
والبعلية 0.96 مليون هكتار بنسبة 57 بالمئة)، وأبقت الإنتاج أعلى من الحاجة، محتفظة بمخزون استراتيجي يكفي لعامين، في صوامع وصويمعات
توزعت في المحافظات كافة. لكن توزع المناطق المنتجة لهذا المحصول يوضح أن ما يقارب
29% من الأراضي الزراعية في سورية تقع في منطقة الجزيرة السورية، لكنها تنتج حوالي
70% من إجمالي إنتاج القمح في سورية.
يقع في منطقة الجزيرة ما يقارب 29% من الأراضي الزراعية في
سورية، وتنتج حوالي 70% من إجمالي إنتاج القمح في سورية.
اليوم، فقد النظام سيطرته على كامل ريف المحافظات الثلاث (دير الزور،
الرقة، الحسكة)، والذي تتركز فيه الزراعة وبخاصة القمح – لم يبق للنظام سوى جيوب
صغيرة في مركز محافظتي دير الزور والحسكة- لصالح قوات المعارضة وتنظيم الدولة الإسلامية،
إذ يسيطر الأخير على محافظتي الرقة ودير الزور اللتين تعتبران سلة غذاء سوريا، في حين
أن محافظة الحسكة في الشمال الشرقي حيث الأراضي الصالحة للزراعة تخضع إلى حد كبير لسيطرة
إدارة كردية ذاتية.
غنى منطقة الجزيرة بالنفط والغاز إضافة إلى محاصيل زراعية استراتيجية
كالقمح والقطن، جعل من السيطرة عليها هدفاً لكل التشكيلات الموجودة فيها؛ كونها
تشكل مصدراً هاماً للتمويل، وعلى رأس تلك التشكيلات تنظيم داعش ووحدات حماية الشعب
الكردية، واللتان أدى الصراع بينهما، والمتركز في ريفي الحسكة والرقة الزراعيين،
إلى كوارث حقيقية، وبخاصة على محصولي القمح والشعير في تلك المناطق، من ناحية أن
السكان لم يستطيعوا حصاد مواسمهم في مناطق الاشتباك ناهيك عن اندلاع الحرائق في
مساحات واسعة من تلك المناطق. ومما زاد الطين بلة غارات التحالف الدولي وطيران
النظام على مواقع انتشار تنظيم الدولة، والتي ساهمت بدورها في حرق مساحات شاسعة من
الأراضي المزروعة بالقمح.
غنى منطقة الجزيرة بالنفط والغاز إضافة إلى محاصيل زراعية
استراتيجية كالقمح والقطن، جعل من السيطرة عليها هدفاً لكل التشكيلات الموجودة
فيها.
التهمت الحرائق أكثر من 15% من محصول القمح لموسم 2015، بسبب احتدام المعارك
خلال موسم الحصاد في مدن الجزيرة السورية، شمال غرب سورية، بين تنظيم الدولة الإسلامية
“داعش” ووحدات حماية الشعب الكردية. أما غارات التحالف فتقدر كمية المحاصيل
المحترقة نتيجة لها وفي بلدة تل تمر وحدها بأكثر من 700 دونم، ما أدى إلى خسارة نحو
857 طناً من محصول الشعير، وخسارة نحو 105 أطنان من محصول القمح.
هذا عن حال نقاط الاشتباك، أما في مناطق سيطرة كل من الطرفين (تنظيم
الدولة ووحدات حماية الشعب)، والتي تعتبر مستقرة نسبياً بحيث يتمكن الفلاحون من
حصد مواسم القمح، ينشط الطرفان للسيطرة على إنتاج القمح كلٌ في نطاق سيطرته، للإتجار
بها والحصول على عوائدها. كما ينشط في تلك المناطق أيضاً نوعان من الزبائن: النظام
عبر مؤسساته التي لا تزال موجودة في محافظة الحسكة، والتي تشتري القمح من مناطق
سيطرة الإدارة الذاتية الكردية وبالاتفاق معها مقابل نسبة تتراوح بين 30-40% من
كميات القمح المباعة، وعبر تجار وسطاء في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية داعش،
والذي يفرض على الفلاحين البيع لهؤلاء الوسطاء مقابل نسبة 25% من الكميات المباعة.
وبدورهم، يقوم الوسطاء بالنقل من مناطق سيطرة التنظيم إلى مناطق سيطرة النظام.
أما النوع الثاني من الزبائن، فهم تجار متعددي الجنسيات يقومون بشراء
القمح من الفلاحين وبأسعار تقل عن السعر الذي يطرحه النظام، مستغلين عجز الفلاحين
عن بيعه لأطراف أخرى في بعض مناطق الجزيرة، لارتفاع مخاطر نقله وتكلفتها، ناهيك عن
الأتاوات التي يدفعونها للحواجز (التنظيم ووحدات حماية الشعب والنظام) على طرق
النقل، حيث يقوم هؤلاء التجار بتصدير القمح إلى العراق وتركيا.
هذا الواقع الذي تشهده زراعة القمح العريقة في منطقة الجزيرة رتب على
الفلاحين أعباءً بات الكثير منهم ينوء بحملها، الأمر الذي دفع بهم للتحول عن زراعة
القمح التي باتت محفوفة بالمخاطر، نحو زراعات أخرى تكون مواسمها أقصر من موسم
القمح وعائدها أكبر، كالبقوليات أو النباتات العطرية كالكمّون والكزبرة وحبةّ البركة
التي تلقى زراعتها رواجاً كبيراً في الحسكة. الأمر الذي قد يهدد انتشاره الأمن
الغذائي لمنطقة الجزيرة. وفي هذ الصدد، أوضحت هيئة الزراعة والريّ في مقاطعة الجزيرة
والتابعة للإدارة الذاتية الكردية، أن هناك خطّةً لزراعة 50% من الأراضي الصالحة للزراعة
بمحصول القمح، وهي نسبةٌ لا يمكن التنازل عنها حفاظاً على الأمن الغذائيّ. أما نسبة
50% الأخرى فتمكن الاستفادة منها في زراعة محاصيل صيفيةٍ أو أية محاصيل أخرى.
وحسب رئيس الهيئة، تفيد آخر إحصائيةٍ أن المساحة المزروعة عام 2015 بالقمح
بجميع أصنافه بلغت 466 ألف هكتارٍ، بلغ إنتاجها 700 ألف طنٍّ. فيما وصلت المساحة المزروعة
بالشعير إلى 333 ألف هكتارٍ، بإنتاج 400 ألف طنٍّ في العام الحاليّ. بينما كانت حصّة
المحاصيل العطرية (الكزبرة والكمّون والحلبة وحبة البركة) 58 ألف هكتارٍ، أي 7.5% فقط،
وهي نسبةٌ ضئيلةٌ مقارنةً بمحصولي القمح والشعير.
يعود صمود الأمن الغذائي النسبي في سورية حتى الآن بدرجة كبيرة،
إلى القطاع الزراعي المتطور في البلاد قبل الأزمة، وخبرة زراعية عمرُها قرون.
ويعود صمود الأمن الغذائي النسبي في سورية حتى الآن بدرجة كبيرة، إلى القطاع
الزراعي المتطور في البلاد قبل الأزمة، وخبرة زراعية عمرُها قرون، تساعد هذا البلد
المتوسطي العريق في التاريخ على تجنّب نقصٍ واسع النطاق في الغذاء، سبق أن اختبرته
بلدان أخرى خاضت اضطرابات أقل عنفاً. وفي الواقع وبعد مرور أربع سنوات على الأزمة،
لم تحدث أي مجاعات (ماعدا الحصارات التي فرضها النظام على بعض المناطق). والسبب في
ذلك يعود جزئياً إلى القدرة التراكمية على الصمود التي تتمتّع بها المجتمعات الزراعية.
لكن السؤال المهم إلى متى ستستطيع تلك المجتمعات الصمود، وبخاصة في منطقة الجزيرة
المنسية من قبل كل الأطراف معارضة ونظام ..؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث