ريان محمد
مع تفاقم الصراعات في سوريا وكثرة الأطراف المتقاتلة على الأرض،
استطاع الأكراد في شمال وشمال شرق البلاد، خلق كيان سياسي تحت مسمى “الإدارة
الذاتية”، بجناحين عسكريين يطلق عليهما “وحدات حماية الشعب”
و”وحدات حماية المرأة”. والأخير هو عبارة عن تشكيل عسكري نسائي يقاتل
إلى جانب “وحدات حماية الشعب”، والتي بدأت في شهر تموز من عام 2014، بالاعتماد
على “التجنيد الإجباري”، أو ما يتعارف عليه بـ”الحماية
الذاتية”، في رفد هذه التشكيلات بالمقاتلين. الأمر الذي أثار انتقادات وسخط
شريحة من أهالي المنطقة، جراء فرضه بالقوة على أبنائهم. وهو ما يظهر جليا من خلال
بعض ردود الفعل، والتي كان أخرها إحراق رجل كردي من مدينة عين عرب
“كوباني”، في الخمسينيات من العمر، نفسه أمام مقر الإدارة الذاتية، احتجاجا
على تجنيد ابنته في وحدات حماية المرأة، وعدم السماح له برؤيتها، ما تسبب بموته
بعد أيام في إحدى المستشفيات التركية.
تلك الحادثة أثارت جدلا واسعا على مختلف الصعد الأهلية
والسياسية، خاصة أن لا شرعية واضحة للإدارة الذاتية، ولا توافق مجتمعي على كثير
مما أقرته، مثل مسألة الحماية الذاتية، بعيدا عن استفتاء السكان، في وقت يعتبر فيه
مثل هذا الأمر جزءاً أساسيا من العقد الاجتماعي في منطقة يُفترض أنها تعيش حالة تشبه
استقرار دولة.
وحداة حماية المرأة هي تشكيل مسلح نسائي بالمطلق،
يتم فيه تجنيد الفتيات، وإشراكهن بالمعارك التي تخوضها الإدارة الذاتية مع تنظيم
داعش، لفرض سيطرتها على تلك المناطق.
وقد صرّح الناشط الإعلامي إبراهيم الكردي، لـ”صدى
الشام”، إن “حادثة إحراق الأب لنفسه احتجاجا على تجنيد وحدات حماية
المرأة لابنته، فتح سجالا اجتماعيا وقانونيا في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية”،
متحدثا عن أن “عمر الفتاة يتجاوز 18 عاما، وقد التحقت بوحدات حماية المرأة
بمحض إرادتها، كما أن لديها أخ يحارب في صفوف وحدات حماية الشعب”. ورأى أن
“قضية التجنيد الإجباري أو الحماية الذاتية، إضافة إلى العديد من القضايا
الأخرى، لا تحظى بتأييد شعبي كامل، وهذا أمر طبيعي في حالة الحروب”.
ومن جهته، قال أبو جوان، تاجر في الستين من العمر مقيم في
القامشلي، لـ”صدى الشام” إن “وحدات حماية الشعب تقوم بإجبار الشباب
على الالتحاق بها. كما أنهم يأخذون أطفالا لم تتجاوز أعمارهم 15عاما لمعسكرات
التدريب، دون موافقة الأهل. وهذا ينطبق على الفتيات أيضا، حيث يتم تجنيدهن بطريقة
الخطف”. كما بين أن “المجتمع بشكل عام لم يتقبل إلى الآن، موضوع تجنيد
الفتيات لأسباب اجتماعية، الأمر الذي يدفعهم إلى معارضة هذا التصرف”. ولفت
إلى أن “كثيرا من العائلات قامت بتهريب أبنائها خارج مناطق الإدارة الذاتية. وكثير
من الشباب الأكراد المقيمين في باقي المناطق السورية، لا يزورون أهلهم ومناطقهم
خوفا من اقتيادهم إلى الخدمة العسكرية”.
وكانت وحدات الحماية قد شنت أكثر من مرة حملات اعتقال واسعة
بين صفوف الشباب بهدف إلحاقهم بالخدمة العسكرية، وتم توقيع ذويهم على تعهدات
بإرسالهم للخدمة بحسب القانون. في وقت تقول مصادر محلية أن جزءا من المعتقلين لذات
السبب لا يُعرف عن مصيرهم شيء، رغم مرور فترة طويلة على اعتقالهم، بحسب تقارير
إعلامية.
يلقى قانون “الحماية الذاتية” معارضة المجلس
الوطني والمستقلين وأنصارهم، معتبرين أنه إرث النظام الشمولي، من أجل بسط النفوذ
وإنهاء دور جميع الأحزاب في المنطقة. ومن ناحية أخرى، فهو يشكل دافعا للهجرة
الإجبارية لجيل الشباب الكردي وإفراغ المنطقة من سكانها.
يعتبر كل من المجلس الوطني والمستقلين وأنصارهم، أن
قانون “الحماية الذاتية” هو إرث النظام الشمولي الهادف إلى بسط النفوذ
وإنهاء دور الأحزاب.
ويتهم معارضو التجنيد الإجباري حزب الاتحاد الديمقراطي
الكردي PYD، وحلفاءه من التشكيلات الكردية وباقي مكونات منطقة الإدارة من
سريان وعرب وأشوريين، والذين يعتبرون أضعف من حزب الاتحاد سياسيا وعسكريا، بالوقوف
خلف عملية التجنيد ضمن صفوف وحدات الحماية التي يهيمن عليها، بهدف تصدير أنفسهم
للمجتمع الدولي على أنهم القوى المؤهلة لمحاربة الإرهاب، وعلى رأسه تنظيم داعش.
من جانبها، اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش”
الحقوقية، مؤخرا، وحدات حماية الشعب الكردية“YPG” في سوريا، بتجنيد الأطفال، قائلة إنها “لازالت تجند الأطفال بالرغم
من تعهدها بالكف عن هذه الممارسات قبل عام من الآن”.
وبينت المنظمة في بيان لها نشرته على موقعها الالكتروني
الرسمي، أنه تم “تطوع أو تجنيد تسعة وخمسين طفلاً ضمن صفوف هذه القوات في هذا
العام فقط، لكن ذلك لا ينفي أن هذه الوحدات حققت بعض التقدم في مجال تسريح الأطفال،
لكن هذا التقدم لم يكن كافياً بالنسبة للمنظمة، التي ترفض بشكل قاطع إقحام الأطفال
في الحروب والنزاعات”.
كما قال المستشار الخاص لمنظمة هيومن رايتس ووتش، فريد
إبراهامز، في تصريح صحفي نشر مؤخرا، إن “مقاتلة هذه الوحدات لتنظيم إرهابي
كتنظيم الدولة الإسلامية، والذي يضرب كافة مواثيق الحرب عرض الحائط، لا ينبغي أن
يكون عذراً للانتهاكات التي ترتكبها هذه القوات”.
وكان العديد من الناشطين قد أفادوا بوجد أطفال بين مقاتلي
وحدات حماية الشعب، يحملون السلاح وينتشرون في مناطق الإدارة وعلى جبهات القتال،
ومنهم من سقط قتيلا خلال المواجهات المسلحة.
بدوره، قال مستشار الرئاسة المشتركة لحزب الاتحاد
الديمقراطي “PYD”، سيهانوك ديبو، لـ”صدى الشام”،
إن “مبدأ
التجنيد الإجباري هو حق اجتماعي موجود في كل دول العالم، فكيف في منطقة تواجه خطر
التنظيمات الإرهابية التكفيرية على جبهة تمتد لـ500 كم، الأمر الذي يتطلب تنظيم
الحماية أو الدفاع الذاتي”. وأضاف: “أليس واقع مواجهة الإرهاب مبررا
كافيا لحمل السلاح؟”، معربا عن اعتقاده بأن “الجميع يريد إجهاض تجربة الإدارة
الذاتية والحماية الذاتية، إن كان من قبل النظام الاستبدادي أو تركيا”. ورأى
أن “الدفاع الذاتي مسألة واجب وطني، لا يجب أن تترك لطرف معين يتحمل ضريبتها
المرتفعة، فمن يشارك في حماية هذه الأرض، ويدفع ثمن ذلك بالشهداء، يحق له التفاوض
وتقرير المصير”.
تموز من عام 2014، قانون أداء واجب “الدفاع الذاتي” عن مناطق الإدارة
الذاتية الديمقراطية في جلسته (17)، والذي ينص على ضرورة أداء واجب الدفاع الذاتي ويدعو
إلى الخدمة الإلزامية كواجب اجتماعي وأخلاقي وقانوني يشمل كافة المكونات
الاجتماعية. كما يُلزم كل أسرة من مواطني المقاطعة بأن تقدم أحد أفرادها لإداء
واجب الدفاع ممن تتراوح أعمارهم بين 18-30 عاما. أما بالنسبة للإناث، فيكون
الالتزام بهذا القانون طوعيا.
وحدد القانون “مدة أداء الواجب ستة أشهر
فعلية يجوز أداؤها بشكل مستمر أو متقطع، وذلك خلال سنة واحدة. أما بالنسبة للطلاب،
فيحق لهم أداء الواجب خلال سنتين متتاليتين. وأُعفي من الالتزام بهذا القانون أسر
شهداء وحدات حماية الشعب وقوات الأسايش، الأسر التي لها أبناء في وحدات حماية
الشعب وقوات الأسايش، المقاتلون ضمن حركة التحرر الوطني الكردستانية، والوحيد لوالديه،
المعاقون والمرضى بأمراض مزمنة. كما تقرر منح المعيلين لأسرهم إعانة مالية خلال
فترة أدائهم لواجبهم، وتم تحديد بعض العقوبات لضمان الالتزام بتطبيق القانون”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث