ميسون شقير
كيف وافقت؟
وكيف كان لا يمكن
أن أوافق؟
عشرون رجلا يعيشون الآن
في رأسي ويعبثون بي، الأول هو ذاك الرجل الذي عاش هناك كل هذه السنوات، والذي ربى
أحلامه مثلما ربى أخوته الصغار.
والثاني هو ذاك
الشاب الذي تعرف على نفسه من خلال تلك الكتب الثورية التي كان يمضي الليل يقرأها
خلسة عن أهله البسطاء، والذي تخيل أنه سينقذ العالم من الظلم وسيحقق العدالة
والمساواة.
الثالث هو الرجل
الذي أحب تلك المرأة الرائعة التي تزوجته وتحملت معه كل ظروفه المادية الصعبة والتي
مازال يعشقها.
الرابع هو الرجل
الأب الذي حولته الأبوة إلى إنسان، وجعلت حياته أخف وأثقل معا. الرجل الذي وجد
نفسه أكثر ما وجدها من خلال عيون طفلته الأولى، ووجد معنى حياته من خلال ضحكتها.
الخامس هو الرجل
الذي أمضى أكثر من أربعين عاما في بلد تطعمه القهر والخوف كل صباح، بلد اعتقل فيها
النظام خاله الذي لم يعرفه أبدا، والذي هو الرجل السادس، والذي جاء من سجن تدمر
جثة بلا وجه.
السابع هو الرجل
الذي حلف أنه سيأخذ بثأر ذاك الخال.
الثامن هو الرجل
الذي لم تسع الأرض فرحته حين رأى المظاهرات تعم تونس، والذي صار يخطط ويحلم بما
سيفعله حين تبدأ الثورة في سوريا وكيف سيأتي يوم وتتخلص حياته من الاستبداد ومن
الرعب.
التاسع هو الرجل
الذي خرج في أولى المظاهرات والذي أحس أن روحه قد وصلت السماء حين هتف أول مرة
العاشر الرجل الذي
هرب من الشبيحة في المظاهرة الخامسة والذي صار اسمه مطلوبا على الحواجز كلها والذي
بقي متخفيا لكنه استمر يعمل في المشفى الميداني مع أنه لم درس الطب أو التمريض في
أي يوم.
الحادي عشر هو
الرجل الذي بقي متفائلا بالثورة برغم تخاذل العالم عنها وبالرغم كل القهر والموت.
الثاني عشر هو
الرجل الذي بدأ جزء من قلبه يتفحم عند كل إصابة بدأت تصل المشفى بعد استخدام
الصواريخ والبراميل المتفجرة.
الرجل الثالث عشر
هو الرجل الذي صار يلعن كل شيء ويلعن العالم حين نفقت كل التجهيزات من المشفى ولم
يعودوا يستطيعون أن يقدموا للجرحى غير انتظار الموت الرحيم.
الرابع عشر هو
الرجل الذي أصيب حين ضرب صاروخ البناية المجاورة للمشفى فأصيب ونُقل إلى لبنان ليعالج
هناك لكن روحه بقيت تنزف مع من رحل.
والخامس عشر هو
الرجل الذي وصل تركيا ثم صعد على متن ذلك القارب مع مئة غيره والذي جرب الموت، ووصل
الى شواطئ اليونان مغمى عليه والملح يملأ قلبه ورئتيه.
السادس عشر هو الرجل
الذي لم يعرف كيف هرب من الموت إلى الموت، والذي لم يصدق كل ما قيل عن رحلات الموت
في البحر لكنه شاهد ثلاثين وجها كانوا معه على ذلك القارب اللعين وقد رماها البحر
الخائن جثثا على الشاطئ.
السابع عشر هو
الرجل الذي لم يعرف كيف سيكمل رحلته، لكن كل ما عرفه هو أن يمشي في الغابات وأن
يتعرض للموت الجديد ثلاث مرات وأن يجوع لأسبوع كامل وأن يبقى شهرا وثلاثة أيام بلا
سقف فوقه ووجه ابنته وحده هو الذي يغطي روحه.
الثامن عشر هو
الرجل الذي وصل أوروبا والذي جرب تماما معنى أن تكون لاجئا.
التاسع عشر هو
الرجل الذي بدأ يعد الأيام كي يحصل على الإقامة ويقوم بلم شمل عائلته، والذي بدأ
فقط يفكر أن رحلة الموت التي عاشها ربما كانت تستحق، فمجرد مستقبل آمن لأولاده
سيكفي لينسيه عذاب الشهر الذي لا يوصف.
الرجل العشرون هو
الرجل الذي بعد سنة من وجوده في أوربا ومن غربة نفسية قاتلة، عرف أن ابنته التي
أصبح عمرها تسع عشرة سنة لن يستطيع لم شملها، والذي حاول بكل الطرق ومع كل
المحامين ولم يعرف ماذا يفعل أمام توسلاتها على الهاتف لتخبره أنها مستعدة للسفر
مثله، تهريبا. ذاك الذي ضاقت به جدران بيته الجديد، وتحولت البلاد الخضراء حوله إلى
صحراء تحاوطه حين وافق على أن تأتي ابنته مثلما أتى.
الرجل الذي هو أنا الآن
هو بقايا عشرين رجلا، لكنهم جميعا لا يستطيعون حمل روحي عني. ابنتي الآن في البحر
وأنا أبتلع كل هذا
الملح.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث