الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / روسيا والحسابات الخاطئة في سورية

روسيا والحسابات الخاطئة في سورية

د. بشار أحمد

بعد دخول العمليات العسكرية الروسية في
سورية شهرها الثاني، لا تزال نتائج هذه العمليات على الأرض بالنسبة للنظامين
الروسي والسوري شبه معدومة. بل على العكس، فإن المتتبع لمعادلة الربح والخسارة بعد
التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية، يرى مدى التراجع الذي منيت به قوات
النظام وميليشياتها الإيرانية والعراقية واللبنانية.

ما تزال الولايات المتحدة
الأمريكية تعتبر روسيا عنصراً مزعجاً ومعيقاً لتطلعات التوسع الاقتصادي
الاستراتيجي نحو آسيا الوسطى.

شكلت حالة الحسابات الروسية الخاطئة وحالة
الإرباك الجيوسياسي الذي مرت به روسيا الاتحادية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتت
جمهورياته، حالة عامة ميزت السياسة الروسية خلال السنوات الماضية، تميزت من خلالها
السياسة الروسية بقصورٍ في الفهم، وشعور بالنقص، وإحساس بالضعف الذاتي. هذه الحالة
جعلت السياسة الروسية غاية في الصعوبة والغرابة في نفس الوقت، مما تسبب بكثير من
الأخطاء الجسيمة والتصرفات العشوائية المؤثرة، ولهذا لم تستطع روسيا تحقيق تقدم
يذكر في “الشرق الأوسط”، على الرغم من التراجع الأميركي، بحيث قد يبدو
للمتابع من الوهلة الأولى أنّ هناك اتفاقاً بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية
على عموميات المشهد السوري، مع بعض الاختلاف في تفاصيله. لكن من واقع الأحداث يمكن
القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية ما تزال تعتبر روسيا عنصراً مزعجاً ومعيقاً
لتطلعات التوسع الاقتصادي الاستراتيجي نحو آسيا الوسطى، وثبت ذلك في مواجهة أحداث
أوكرانيا وجزر القرم، التي انتصرت فيها روسيا على الغرب بعض الشيء، وكان لها الصوت
الأعلى في توجيه الأحداث، وهذا على ما يبدو أثار الولايات المتحدة الأمريكية ودفعها
لاستدراج جديد لروسيا في سورية، على غرار حرب أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين.

أما في سورية فقد أتى التدخل العسكري
الروسي بحسابات خاطئة انطلقت من قناعة بأن الضربات الجوية الروسية المكثفة لمواقع
الجيش الحر والفصائل العسكرية المعارضة، والمتزامنة مع العمليات العسكرية البرية
التي يقودها جيش النظام وشبيحته وميليشياته، قادرة وكفيلة بالقضاء على الجيش الحر
وفصائل المعارضة السورية. إلا أنه وبعد دخول العمليات العسكرية الروسية في سورية
شهرها الثاني، ثبت بالدليل القاطع مدى الخطأ الكبير الذي ارتكبه النظام الروسي في
تدخله بسورية، حيث تذكرنا اللعبة الروسية التي تجري هذه الأيام على الأرض السورية
بالدور الروسي في تطهير الشيشان، إلا أن الحسابات الروسية الخاطئة هذه المرة أيضاً
أقحمتها في أزمة خارج جغرافيتها ومحيطها المباشر. ففي الشيشان، دفعت الحسابات
الخاطئة للإدارة الروسية بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال السنوات الأربع
الأولى من حكمه، إلى تبني سياسات متشددة تجاه المجاهدين الشيشان، حولت البلاد إلى
خراب وولدت نقمة لدى المسلمين ضد النظام الروسي، وهو ما يكرره بوتين اليوم في
سورية مع فارق مهم وهو أن روسيا في الشيشان كانت تلعب ضمن رقعتها الجيوسياسية
المباشرة، أما في سورية فهي تلعب في رقعة جيوسياسية خارجية مليئة بلاعبين من أوزان
مختلفة.

إذا استمرت روسيا في حماقتها في
سورية، فإن ذلك سيكون مدعاة لتوحد فصائل المقاومة السورية على اختلاف توجهاتها، ضد
عدو مشترك خارجي.

وبالتالي فإنه من خلال رصد واستقراء
الماضي والاستفادة من تجاربه، فإنه لا شيء يمنع من القول أنه وفي حال استمرت روسيا
في حماقتها في سورية ووسعت تدخلها العسكري ليشمل نشر قوات برية، فإن ذلك سيكون
مدعاة لتوحد فصائل المقاومة السورية على اختلاف توجهاتها، ضد عدو مشترك خارجي، كما
كان الحال مع فصائل الجهاد الأفغاني ضد الروس في الثمانينيات من القرن العشرين. وخاصة
بعد الضربات الجوية الروسية خلال الشهر الماضي، التي أصابت قوات المعارضة، على
خلاف الهدف المعلن منها، وهو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). لكن
في نفس الوقت، يمكن القول أنه ليس من السهل تقدير ما يمكن أن يفعله الروس في سورية،
كون روسيا الإمبريالية تتسم بالغباء المتوارث من دوغما السنوات الأخيرة من وجود
الدولة السوفياتية. فروسيا خلال سنوات الثورة السورية التي زدات عن الأربع سنوات،
أهدرت فرصاً كثيرة في كسب ود الشعب السوري، خصوصاً في مؤتمر جنيف 2، حيث تعاملت
روسيا كعادتها بقصر نظر وعنجهية مع الشأن السوري، وكذلك تعاملت باستخفاف كبير ووقح
مع الأطراف العربية، وكل ما قامت به وحاولت القيام به من مبادرات واقتراحات للحل،
كانت عبارة عن محاولات للم شمل النظام بمعارضته المدجنة دون إشراك ممثلين حقيقيين
عن الشعب السوري الثائر.

وعليه يمكن القول أن حسابات روسيا عندما
اتخذت قراراً بهذا الخطورة لم تكن دقيقة، ربما لأنها كانت تظن أن المعارضة السورية
هي مجرد نمر من ورق، وأن المعارضة سترفع رايات الاستسلام بعد أول موجة غارات جوية
تنفذها الطائرات الروسية الاستراتيجية. إلا أنه الآن، وبعد أن ثبت أنَّ حسابات
الحقل بالنسبة لروسيا تختلف عن حسابات البيدر، وأنه بالإمكان معرفة البدء في الحرب
لكنه لا يمكن معرفة كيفية إنهائها، خاصة كهذه الحرب التي هي حرب غارات جوية على
مقاتلين غير ثابتين على الأرض،
فإن روسيا إن أبقت على سياستها تجاه المسألة السورية على
حالها ولم تتحلَّ بالجرأة المفترضة والمطلوبة لمراجعة حساباتها وتتدارك أمورها قبل
أن يطفح الكيل، فإنها بالتأكيد ستجد نفسها أمام واقع كالواقع الذي ترتب على الغزو
السوفييتي لأفغانستان، والذي أدى في حقيقة الأمر إلى انهيار الإمبراطورية السوفيتية
التي كانت، عندما قامت بتلك المغامرة المكلفة، قد نخرها التسوس من الداخل، وكانت
بانتظار مثل تلك الخطوة الانتحارية لتنتهي إلى تلك النهاية المأساوية.

شاهد أيضاً

من الانشقاق إلى الاندماج: الجيش السوري يبدأ مرحلة جديدة

رحّب وزير الدفاع السوري، اللواء المهندس مرهف أبو قصرة، بعودة صفّ الضباط المنشقين إلى الخدمة …

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *