الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / السويداء … خيار الدم أو الخُبز

السويداء … خيار الدم أو الخُبز

“تعيش السويداء هذه الأيام حالة اقتصادية متردية، وصلت إلى حد
انتشار ظاهرة التسول في المدينة. واقع أفرز حالة انقسام حادة نتج عنها ثلاث فئات
تجارية يقابها ثلاث فئات من المستهلكين. يحدث هذا في وقت أصبحت فيه غرفة التجارة
والصناعة جزءاً من المشكلة، بدل وضعها للحلول، ليكون الفقراء هم الخاسر الأكبر في
هذا المعادلة”

سارة عبد الحي

غلاء فاحش، سلع مفقودة، أسعار متباينة، سوق منفلت غير مستقر، خبز لا يصلح
للاستهلاك البشري، احتكارات، تهريب، ازدهار السوق السوداء بكافة أنواعها وأشكالها.

غيض من فيض لعناوين تصلح للتعبير عن الوضع الاقتصادي والحالة المعيشية المتردية
التي تشهدها محافظة السويداء هذه الأيام، ما ينبئ بكارثة اجتماعية بدأت أولى ملامحها
تظهر على الأرض، وهي التسوّل!! فبعد أن كانت من الظواهر النادرة في المدينة، أصبحت
اليوم مشهداً اعتيادياً في شوارعها وساحاتها. هجرة العائلات، السطو سيما المسلح
منه، قطع الطرق على المارة، سرقة السيارات، النصب والاحتيال، حالات الطلاق، تسرّب
الأطفال من المدارس، عمالة الأطفال، زواج القاصرات، وغيرها الكثير من المظاهر
الغريبة التي جدّت على مجتمع كان التماسك الأهلي والانضباط الأخلاقي العام، والرادع
الاجتماعي والديني من سماته الموصوفة، ومن علاماته الفارقة.

يقول محلل اقتصادي من السويداء، فضل عدم ذكر اسمه، لـ “صدى الشام
“، إن “الواقع التجاري والاقتصادي في سوق محافظة السويداء يخضع لحالة انقسام
حادة ولزيادة ملحوظة ومتسارعة في المسافات التي تفصل بينها. ما فرز ثلاث فئات تجارية
واضحة المعالم، تقابلها تماماً وتتوازى معها، ثلاث فئات من المستهلكين.

1 ـ فئة تجار الحروب والأزمات: هم محدثي النعمة من بعض المواطنين
المرتبطين بإحدى المؤسسات الحكومية العسكرية أو الأمنية أو الرديفة لها، كالدفاع
الوطني أو كتائب البعث أو القومي الاجتماعي، ويعملون بتنسيق عالي المستوى مع عناصر
أو ضباط من داخل تلك الأجهزة على طريقة المحاصصة في الأرباح. يشكل النشاط التجاري
لهذه الفئة إحدى مسببات الأزمة الاقتصادية أو المعيشية، ولكنها فئة أصبحت تعيش
خارج إطار الأزمة، بل تتزايد أرباحها وإيراداتها بشكل غير منطقي.

2 ـ فئة التجار التقليديين المرتبطين أساساً بمصالح تجارية كبيرة مع بعض أركان النظام
في المحافظة، وهي خارج العجلة الاقتصادية للدولة بصفتها المؤسساتية، بالتالي هي
ترى الأزمة وتعيشها معنوياً، وتشكوا منها ربما، لكنها عملياً خارجها تماماً. إن
حجم عمالة ورأس مال هذه الفئة حصّنها من الارتدادات الهدّامة أو الانهيار أمام
التقلبات الاقتصادية الحادة التي تشهدها البلد.

تبقى الفئتان الأولى والثانية خارج حدود استهلاك المواطن اليومي وبعيدا عن
التأثر المباشر بالمستوى المعيشي المتردي للمستهلك العادي، بينما تتقاطع حاجيات
المواطن الرئيسية بشكل يومي ومباشر، في مصلحة متبادلة مع الفئة الثالثة، وهي:

3 ـ التجار محدودي الربح أصحاب النشاط التجاري المتوسط إلى الضعيف، التي
تشكّل مع المستوى المعيشي للمواطنين دائرة تجارية مغلقة يتحاصصون داخلها الربح،
كما يتشاركون الخسارة. وتتعرض هذه الفئة وبشكل يومي، بسبب ضعفها بالمعنى الاقتصادي،
لسقوط أحد المنتمين لها أو العاملين فيها خارج دائرة النشاط التجاري.

محلل اقتصادي: الواقع التجاري والاقتصادي في سوق محافظة السويداء
يخضع لحالة انقسام حادة، ولزيادة ملحوظة ومتسارعة في المسافات التي تفصل بينها، ما
أفرز ثلاث فئات تجارية تقابلها ثلاث فئات من المستهلكين.

من جانبه، يقول أحد كبار تجار سوق السويداء، وهو مهندس صناعات نسيجية، إن
“الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها محافظة السويداء ترتكز على عدة
معطيات فرضتها خصوصية المكان بالمعنيين الاجتماعي والجغرافي. منها أنه وبالأساس،
يعتمد مواطن محافظة السويداء بالعموم، في إنتاجه، على العمل الوظيفي محدود الدخل، والذي
أصبح بينه وبين أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية فروقاً كبيرة غير مسبوقة، ما
قلص من القدرة الشرائية لديه ووضعه أمام صعوبات حياتية خانقة، وانحدر به إلى ما
دون خط الفقر”.

ويشير التاجر الذي فضل ذكر الأحرف الأولى من اسمه وكنيته، (م.أ)، إلى أن “الأعداد
الكبيرة من النازحين السوريين الذين لجأوا إلى السويداء بسبب ظروف الحرب التي طالت
مناطقهم، شكلوا ضغطاً كبيرا على سوقها الداخلي، خصوصاً وأن غالبيتهم ليسوا من
أصحاب المصالح الحيويّة، أو أنهم من فاقدي القدرة على إعادة تأسيس مصالحهم في
المكان الجديد بسبب الخسائر الفادحة التي لحقت بهم في مدنهم التي دُمرت، بالإضافة
إلى مسافة نقل البضائع للمحافظة من جهة، والخوّات التي تدفع للحواجز العديدة التي
وضعت على طريق دمشق السويداء من جهة أخرى، أعطت حُجّة واقعية للتحميل على البضائع
المنقولة كلفا مالية زائدة، ما جعل الأسعار غير منطقية أمام انخفاض القدرة
الشرائية لليرة السورية”.

على الجانب الآخر، أعتبر أحد تجار السويداء العريقين، الشيخ (ف.م)، أن “غرفة
تجارة وصناعة السويداء تُشكل جزءاً كبيراً من المشكلة، في الوقت الذي يتوجب عليها
أن تلعب دوراً أساسياً في ضبط السوق الداخلية، وأن تجد حلولاً واقعية للوضع الراهن
وللحالة المزرية التي باتت خطراً على التاجر قبل المستهلك العادي”.

واتهم الشيخ غرفة التجارة والصناعة بأنها “تشوّه سمعة تجار السويداء
الشرفاء بآليات عملها غير المدروسة، وبالمحسوبيات التي تقيمها لبعض التجار
المتنفذين في إطار المصالح الخاصة والمتبادلة مع أعضاء مجلسها الإداري، الذي يحتكر
حكم الغرفة ونشاطاتها وتوجهاتها. وبأنها تغطي على الكثير من الخروقات القانونية
والأعمال المشبوهة، من خلال بعض الشكليات الصغيرة التي تضخمها إعلامياً لتبدو
وكأنها تراعي المصلحة العامة لسوق التجارة الداخلية في المحافظة، وتقوم ببعض
الفعاليات الاجتماعية، وتشارك بها، كدعم بعض المواطنين المحتاجين عن طريق الجمعيات
الخيرية أو مؤسسة الوقف”. ­­

تاجر: غرفة تجارة وصناعة السويداء تُشكل جزءاً كبيراً من المشكلة،
بدل أن تلعب دوراً أساسياً في ضبط السوق الداخلية.

في النهاية، يمكن القول إن الأزمة المعيشية الخانقة والضائقة المالية
القاتلة في محافظة السويداء ترتكز على أعتاب بيوت ساكنيها، سواء كانوا أهلها أو ضيوفها
من المواطنين السوريين النازحين الفقراء، وتمتد إلى رغيف خبزهم ودواء أطفالهم.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *