سارة عبد الحي
تعرضت محافظة السويداء على مدى السنوات الخمس الماضية، لكثير من التحولات
الداخلية على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، شأنها في ذلك شأن
المدن السورية عامة. كما طالتها حالات إرباك تعددت أسبابها ومصادرها، ومنها
المخاطر التي هددت استقرارها بعد المعارك التي دارت على حدودها الغربية والشمالية
الشرقية.
غير أن التحولات الأخطر والأكثر حساسية تجلت عندما شهدت المدينة قبل
ثلاثة أسابيع، ثلاثة تفجيرات متسلسلة استهدفت الشيخ وحيد البلعوس وبعض رجالات حركة
مشايخ الكرامة بشكل مباشر، بالإضافة إلى عدد من أبناء المحافظة الذين سقطوا بين
قتيل وجريح، وما ترتب على هذا الحدث من ردة فعل أهلية عارمة وسريعة اتجاه مراكز
النظام الأمنية والعسكرية.
لعل الواقع الحرج الذي تعيشه المحافظة الآن يكمن في الانقسام الحاد الذي
طرأ على بنيتها الاجتماعية والمكونات الأهلية والعائلية فيها، وذلك على أرضية
الواقع السياسي والميداني التي تشهده سوريا ككل. لكن خصوصية محافظة السويداء
الاجتماعية، والدور الذي تلعبه فيها هذه التوازنات، تنبئ بأن القادم على جبل العرب
لن يكون اعتيادياً.
خصوصية محافظة السويداء الاجتماعية، والدور الذي تلعبه فيها
التوازنات السياسية والميدانية، تنبئ بأن القادم على جبل العرب لن يكون اعتيادياً.
في تصريح خاص لـ “صدى الشام”، يقول أحد سياسي المحافظة المراقبين
لتطور أحداثها أن “أشكال الانقسامات تعددت واختلفت التحالفات وتباينت المواقف
بين أهالي المحافظة حد الصدام المسلح بين أطيافها، حيث بدأ الانقسام أولاً داخل
كتلة مشايخ الكرامة نفسها بعد اغتيال زعيمها البلعوس وغالبية الصف الأول في الحركة،
وإصابة بعضهم إصابات شديدة أخرجتهم من حيّز القرار والفعل.
ويضيف السياسي الذي فضل عدم ذكر اسمه بأن “الانقسام الثاني حدث داخل
إحدى أكبر عائلات مدينة السويداء “آل نعيم”، خصوصا وأن العدد الأكبر من
شهداء التفجيرات التي هزت المدينة كان من أبناء تلك العائلة، والتي توزع انتماء
شبابها أساساً وقبل حدث التفجيرات، بين حركة مشايخ الكرامة من جهة، وميليشيا نزيه
جربوع المرتبطة بشكل مباشر مع فرع الأمن العسكري ورئيسه وفيق ناصر من جهة
ثانية”، مبيّناً أن “الانقسامات توالت داخل كبريات العائلات في المحافظة،
وخصوصا في مدينتها، وتمحورت الاختلافات بالعموم حول نقطتين خلافيتين: الأولى تركزت
حول الفاعل، أي الجهة التي قامت بالتفجيرات والاغتيالات، والنقطة الثانية، والتي
تبنى على الأولى، تركزت حول محاسبة الفاعل والأخذ بثأر دماء الشهداء، ونصرة
المدينة المكلومة، أي الاستمرار في الانتفاضة”.
وبدا واضحاً أن من لعب على خطوط الانقسام تلك عدة جهات أولها إعلام النظام
وأدواته باظهار الجاني فوراً، ثم تدخل ميليشيا نزيه جربوع وميليشيا القومي السوري
وميليشيا عصام زهرالدين بقيادة ابنه يعرب وباشراف وئام وهاب ودعم النظام، ثم بعد
ذلك تواطؤ المؤسسة الدينية الرسمية المتمثلة بمشيخة العقل. هذه المعطيات الثلاث معاً
هي من شقت الصف داخل المحافظة”.
امتص النظام حالة الغضب الشعبي وردة الفعل العنيفة التي تلت عمليات
التفجير بشكل مدروس، فلم يقاوم، بل تنازل حتى عن موقع الدفاع، وآثر التراجع أمام
ثورة أبناء المحافظة، إلى أن تلاشت الموجة وانخفضت. ثم وبسرعة ملفتة، رمى بمتهم من
أبناء محافظة السويداء نفسها “وافد أبو ترابي”، والمحسوب على المعارضة،
فخلط الأوراق وضعضع الاتجاه وزاد من حدة الانقسام، وأتبع ذلك بأن دفع بميلشياته
للسيطرة على الشارع.
امتص النظام حالة الغضب الشعبي وردة الفعل العنيفة التي تلت
عمليات التفجير بشكل مدروس، فلم يقاوم، بل تنازل حتى عن موقع الدفاع.
يقول أحد المقربين من حركة مشايخ الكرامة ويدعى (الشيخ أبو نائل): “دخل
وافد أبو ترابي السويداء قبل حادثة التفجير بكثير، ورغم تخفيه وتواريه عن الأنظار،
إلا أن الأجهزة الأمنية كانت تعلم بوجوده، بالمقابل كان النظام قد اتخذ القرار
بتصفية الشهيد الشيخ أبو فهد البلعوس وبعض قيادات حركة مشايخ الكرامة من الشباب، وقد
حاول ذلك منذ زمن وأكثر من مرة. وهكذا كان المتهم موجودا سلفاً، وجاهزا، فلم يبق أمام
النظام إلا أن يختار الطريقة والتوقيت الذي يخدمه والمناسب للتنفيذ، وقد فعل. كان
على النظام أن يرمي ” بمفتعل التفجيرات” أمام الرأي العام في المحافظة
بالسرعة القصوى، فلو لم يفعل لخرجت المحافظة كلياً عن سيطرته وبلا رجعة، كما وكان
من الضروري أن يكون المتهم درزياً من أبنائها كي يَنتُج هذا الانقسام الداخلي الحاد
الذي نجح النظام في إحداثه”.
على أن الآراء والقراءات تعددت
حول السبب المباشر باغتيال الشيخ البلعوس، وذهبت في اتجاهين، الأول وتتبناه شريحة
واسعة من المحسوبين على المعارضة التقليدية في محافظة السويداء، ويمكن تلخيصه بقول
أحد رياديها، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه: “بغض النظر عن تصريحات الشهيد الشيخ
وحيد العديدة، والتي يؤكد فيها معرفته قرار اغتياله من قبل النظام، فإن خروج
البلعوس من بيت طاعة النظام على الرغم من عدم ادعائه معارضته له علناً، هو السبب
المباشر الكامن وراء تصفيته”. يضيف المعارض الذي اشترط عدم ذكر اسمه: “لربما
استشعر النظام، أو علم، بأمر ما كانت ترسمه وتخطط له حركة مشايخ الكرامة، خصوصاً
بعد حالة الكمون والهدوء المريبة التي استمرت ثلاثة أشهر تقريباً، بُعيد تسليم
مخطوفي الكرك، إذ لم تمارس الحركة بعدها أي نشاط واضح يذكر، ما شكل تساؤلات كثيرة
ورسم تكهنات عديدة”.
كان لا بد للنظام من صناعة حدث كبير ينسف محاولة الحراك المدني
السلمي في السويداء إعادة الشكل الأول لروح الثورة، ويُرجع المحتجين إلى بيوتهم.
في حين يرى شباب الثورة والحراك المدني في السويداء أن “حراك
المدينة السلمي المطلبي الأخير، الذي حمل أسم “خنقتونا”، والذي أعاد
الشكل الأول الحقيقي لروح الثورة السورية ومطلبها في كرامة الناس وحريتهم، أعاد
الأمل للكثيرين بإمكانية العودة إلى السياق الصحيح للثورة، وأخذ بالتوسع يوما بعد
يوم، خصوصا وقد شارك في هذا الحراك فئة جديدة نزلت إلى الشارع لأول مرة منذ الـ
2011، ما أقلق النظام ووضع جهازه الأمني أمام هذا الخيار، وذلك لتخويف المحافظة
وإرهابها وإغلاق الباب أمام تصاعد أصوات الاحتجاجات فيها. كان لا بد من حدث كبير
ينسف هذا التوجه ويُرجع المحتجين إلى بيوتهم، فكان أن ضرب عصفورين بحجر واحد؛
اغتال زعيم الحركة التي أربكته وباتت تشكل خطراً عليه، مُغتالاً بذلك حراك المدينة
السلمي في محاولة لوأده”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث