عبد القادر عبد اللي
بدأت كثير من أصوات السوريين
ترتفع بالاحتجاج على الحكومة التركية لأنها تسمح للمهربين بامتصاص دم السوريين من
أجل نقلهم بقوارب الموت إلى اليونان، حتى إن بعض هذه الأصوات تعتبر التهريب عملاً
حكومياً مباشراً، وبدأت تحسب العائدات الاقتصادية لتهريب البشر. وهذا ما دفع “الناشطون”
إلى دعوة السوريين للتوجه إلى مدينة أدرنة الحدودية مع بلغاريا واليونان من أجل
الاحتجاج، ومحاولة العبور براً، ولكن الوجهة بالطبع اليونان، وليست بلغاريا، فلا
أحد يريد الدخول إلى بلغاريا، وبالطبع من هناك إلى ألمانيا أو السويد أو هولندا،
وممكن أن يقبلوا بفرنسا أو النمسا، ولكن ليس أقل من ذلك، فلا أحد يريد حتى السكن
في إيطاليا مثلاً…
إذا كان لا أحد يستطيع تحديد
حجم مسؤولية المؤسسات التركية في عملية الاتجار بالبشر بدقة، ولكن لا أحد ينكر
أيضاً بأن هناك غض طرف ما لهذه المؤسسات عن عمليات التهريب. فلو أرادت القوى
الأمنية تشديد الإجراءات لخففت كثيراً من عمليات الانتقال بالبحر من شواطئ إيجة
إلى الجزر اليونانية بالقوارب المطاطية، أو بقوارب الموت الأكبر قليلاً التي تنطلق
من سواحل تركيا الجنوبية على المتوسط. وهذا ناجم عن الكلفة الباهظة التي تتحملها
الحكومة التركية، وخاصة في الفترة الأخيرة بعد اشتعال الحرب على أراضيها.
ولكن من جهة أخرى فإن كثيراً
من المواطنين الأتراك ينظرون إلى الوجود السوري باعتباره عبئاً ثقيلاً عليهم، وإذا
كانت المعارضة التركية فقط في الماضي تروّج لقضية العبء المادي والثقافي الذي
حملته الحكومة التركية للاقتصاد التركي والمجتمع التركي، فقد غدت هذه القضية اليوم
أكثر عمومية، وبات التذمر بحكم العادة. وهذا يذكّر بالتذمر الذي شاع في سورية أيام
مجيء العراقيين، فإذا ارتفعت أسعار البندورة، يصرخ الناس: “العراقيون السبب!..”
وإذا نزل أحدهم ليركب السرفيس، ولم يجد مكاناً أو لم يتوقف له لكثرة الازدحام،
يصرخ: “العراقيون السبب!..” بعد مغادرة العراقيين انقلب التذمر بالاتجاه
العكسي، فإذا دخلت إلى أي محل، وفتحت معه حديثاً عن أوضاعه، يترك السياسة
الاقتصادية للبلد، وإفقار الناس، وارتفاع نسبة البطالة، ليقول لك: “العراقيون
السبب!…” نعم، أصبح يعتبر مغادرة العراقيين هي سبب الركود الاقتصادي،
ومصيبته في عدم تحقيقه المكاسب.
صحيح أن السوريين حققوا حركة
اقتصادية في بعض المناطق، إذ أن كثيراً منهم جاؤوا بمدخراتهم، وإما أنهم
استثمروها، أو أنفقوها، وهذا ما سبب عائداً اقتصادياً مهماً للجمهورية التركية
ومواطنيها، وبالطبع فإنك عندما تشتري أي شيء من الماركت فأنت تدفع ضريبة إنفاق
استهلاكي. وفي عمليات النصب والاحتيال والابتزاز، فلأن السوري هو الطرف الأضعف فهو
دائماً ما يتعرض لهذه العمليات، ولابد من الاعتراف أن الابتزاز في كثير من الأحيان،
وليس كلها، يقوم به معارضون للحكومة التركية، وهؤلاء يعتبرون سياسة ابتزاز
السوريين نهجاً وسياسة ضد الحكومة التركية، فإن اشتكيت عليهم فسيصرخون بأعلى
أصواتهم: “انقلعوا من بلدنا!”، وويل لشرطي يتعاطف معك، هذا إن تعاطف.
وإذا استفزوك، وحاولت الدفاع عن نفسك، اعتبرتك معظم الصحافة التركية إرهابياً،
وأقول معظم الصحافة التركية، لأن هذا المعظم ملك للمعارضة التركية الإسلامية (جناح
غولان)، أو ما يُسمى العلمانية ملك (آيدن ضوغان)، كل هذه الظروف يمكن أن تجعل
الحكومة التركية تغض الطرف عن مغادرة السوريين أراضيها باتجاه أوربا، فهذا على
الأقل يخفف من الضغط عليها.
قضية اللاجئين منذ اليوم الأول،
كانت ورقة ضغط ولعب سياسي، ولعب النظام السوري دوراً كبيراً فيها بتسهيل الهجرة من
مناطقه، أو بإلقاء براميله على المناطق المحررة، ولكننا في قضية اللاجئين أيضاً
أدوات ولسنا لاعبين، فالكل يلعب بنا. وبصراحة، لا أريد أن أكون من الشتّامين الذين
يلقون اللوم على هذا وذاك، فهناك ظروف موضوعية يمكن للإنسان استغلالها، أو
تفويتها، فإن نجح حسنٌ، وإن فشل فليبحث عن طريقة أخرى. ولهذا فإن خروج السوريين
إلى أدرنة عملية جيدة للفت نظر العالم إلى مأساتهم، وقهرهم، ولكن الحذر ثم الحذر
من اعتبارها حلاً. فتركيا في المحصلة دولة لها ارتباطاتها الدولية، وبالتالي
التزاماتها، وفتح الحدود إلى اليونان ليس قرارها. فالحراك لا يتعدى لفت نظر العالم
إلى قضية حقة، ففي تركيا من النازيين الجدد أكثر بكثير مما في أوربا، والنازيون
الجدد في تركيا يمكن أن يكونوا من تيارات سياسية مختلفة، وحتى بغالبيتهم يعتبرون
أنفسهم “ماركسيين لينينيين” أو “ماركسيين ماويين”، كما أن
النازيين الجدد في تركيا ليسوا بالضرورة من القومية التركية، فهناك كثير من النازيين
الجدد العرب والأكراد والشركس…
“عابرون لا أكثر”
حراك سقفه لفت نظر العالم عموماً، ومواطني الجمهورية التركية من غير الفاشيين
الجدد خصوصاً، إلى مأساتنا، للمساهمة بإيجاد حل لتخفيف معاناتنا. فقضيتنا –ولعل
الأصوب القول قضايانا- أكبر بكثير من أن تستطيع دولة أو عدة دول حلها، وأكبر بكثير
أيضاً من اختزالها بقضية لجوء، وتأمين احتياجات حياة، فرفع سقف الآمال لن يؤدي سوى
إلى الإحباط، وكفانا إحباطاً… “عابرون لا أكثر” سقفه “حراك لا
أكثر”…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث