“يكمن وراء التدخل العسكري الروسي في سوريا
والعداء الغربي والعربي والتركي للنظام السوري أسباباً اقتصادية بحتة، بعد رفض
النظام مد أنبوب الغاز القطري عبر أراضيه إلى تركيا ومنها إلى أوربا، ما يؤدي إلى
منافسة الغاز الروسي، والذي يشكل ورقة الضغط الاستراتيجية في يد القيادة الروسية
على أوربا”
أحمد العربي
في الحادي عشر من كانون الأول 1997، وافقت الدول
الصناعية الكبرى، في كيوتو-اليابان، على اتفاقية خفض الانبعاث الكلّي للغازات الدفينة
في الغلاف الجوي عند مستوى يحول دون إلحاق ضرر بالنظام المناخي العالمي، واتجهت الدول
الكبرى إلى الاعتماد بقوة على الطاقة المتولدة من الغاز بدلاً من النفط.
ولكن، وعلى عكس أوروبا التي اتجهت نحو الزيادة في
حجم وارداتها من الغاز، فإن الولايات المتحدة الأمريكية رفضت أن توقّع على الاتفاقية،
بل سعت لمنع أوروبا من تقييم وارداتها الغازيّة باليورو بدلاً من الدولار، حتى لا يتحوّل
هذا الأخير إلى مجرد عملة عادية.
يرى البعض أنه منذ ذلك التاريخ بدأت «الحرب المقدّسة»
من أجل الغاز، وبدأت الثورات «الملوّنة» عام 2004 تجتاح بعض بلدان أوروبا، بينما اجتاحت
روسيا أبخازيا لاحتكار تصدير الغاز إلى أوروبا (30% من الاستهلاك الأوروبي)، وذلك عبر
خطوط أنابيب أوكرانيا وبيلاروسيا. وفي الجانب الآخر سعت الولايات المتحدة إلى جلب الغاز
من تركمانستان وآسيا الوسطى إلى أوروبا عبر مشروع خط أنابيب «نابوكو».
وللعلم فإن تسمية نابوكو تيمناً باسم مقطوعة موسيقية
كلاسيكية أوروبية «أوبرا» حول التحرر من العبودية، من تأليف المؤلف الرومانسي الإيطالي
جيوسيبي فيردي في القرن التاسع عشر، وتستند أوبرا «نابوكو» إلى قصة وردت في التوراة
وتناولت المآسي التي مر بها اليهود عبر التاريخ، خصوصاً ما مر به اليهود من اضطهاد
ونفي على يد الملك نبوخذ نصر، ثم تحررهم وعودتهم إلى فلسطين في دلالة على تحرير
تجارة الغاز من السيطرة الروسية.
العام 2009 وقّعت شركة «غاز بروم» الروسية اتفاقاً
مع الدولة النيجيرية صاحبة تاسع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، بقيمة 2,5 مليار
دولار لبناء مصافي غاز وأنابيب نقل ومحطات توليد طاقة فيها، وذلك بهدف تصدير الغاز
نحو أوروبا بواسطة خط أنابيب يمرّ في ليبيا وصولاً إلى أوروبا عبر إيطاليا، التي وافق
رئيس وزرائها (برلسكوني) على بيع 50 في المئة من شركة «إيني» البترولية الإيطالية لروسيا،
والمفارقة أنه تم عزله بعد ذلك.
يرى بعض المحلّلين أنه لم يكن من قبيل «الصدف»، أن
تبدأ جماعة «بوكو حرام» الإسلامية المتطرّفة في نيجيريا الشمالية أولى عملياتها الارهابية
في السنة ذاتها التي وقّعت فيها «غاز بروم» عقدها مع الحكومة النيجيرية، وهو ما جعل
أمر إنشاء خط الأنابيب هذا مستحيلاً.
الولايات المتحدة ترمي إلى استخراج الغاز
من رابع أكبر احتياطي في العالم (تركمانستان)، وتصديره مباشرة نحو أوروبا دون المرور
عبر روسيا، وهي استراتيجية حيوية لحلف شمال الأطلسي.
كذلك يرى البعض أن طرد الرئيس زين العابدين بن علي،
رئيس تونس السابق، وإسقاط النظام الليبي وعزل برلسكوني، قد أغلق خط «أفريكان ستريم»
على روسيا، وكان رد روسيا بإغلاق جورجيا في وجه أميركا، التي أغلقت نيجيريا في وجه
الروس. فالولايات المتحدة تعزف «مقطوعة نابوكو» هذا المشروع الطموح الذي يرمي إلى استخراج
الغاز من رابع أكبر احتياطي في العالم (تركمانستان)، وتصديره مباشرة نحو أوروبا عبر
حوض بحر قزوين من دون المرور عبر روسيا، وهي استراتيجية حيوية لحلف شمال الأطلسي الذي
يريد تحرير الجمهوريات السوفياتية السابقة وأوروبا من النفوذ الروسي.
ردّت روسيا على مشروع نابوكو باستراتيجية ذات مسارات
متعدّدة من أجل محاولة إيقاف تنفيذ هذا المشروع، فبدأت بإثارة نقاش حول الصفة القانونية
لبحر قزوين. فالقانون الدولي يفرّق بين البحيرة والبحر فيما يخص الحقوق والالتزامات
الناشئة للدول المطلّة عليه، فإذا كان المسطّح المائي بحراً، فإن الدول المحيطة به
تتقاسم ثرواته حسب طول شاطئ كل منها، أما إذا كان الحوض بحيرة فإن الدول المحيطة به
تتقاسمه وثرواته بالتساوي.
على هذا الأساس تبنّت روسيا تعريف حوض قزوين على
أنه بحيرة تتجدّد مياهها بواسطة نهر «الفولغا» الروسي، والقانون الدولي يمنحها حق الاستفادة
بالتساوي مع باقي الدول المحيطة بالحوض. وهكذا وإلى أن يتم الاعتراف بقزوين «كبحر»،
لا يحق لتركمانستان أو أذربيجان أو غيرها إنشاء حقول نفط أو غاز على الساحل القزويني
من دون موافقة الروس.
كذلك اتجهت روسيا نحو احتكار عقود بيع وشراء الغاز
في آسيا الوسطى، وتحديداً مع جميع الدول التي ستمد خط نابوكو بالغاز، كتركمانستان وأوزبكستان.
ما هو الهدف من نابوكو، وما الجدوى من إنشاء خط أنابيب
لنقل غاز، جفّفت روسيا كل مصادره، ولا تتوافر له حتى الجغرافيا ليمرّ فيها؟
يرى بعض المحللين أن الولايات المتحدة اعتمدت وحلفاؤها،
استراتيجية هجومية، للرد على كل العراقيل الهادفة لإنجاح المشروع، فمضوا قدماً في مشروع
بناء خط الأنابيب أولاً، ثم البحث عن الغاز ثانياً، وذلك عملاً بالقول الأميركي المأثور
«لقد اتخذت قراري فلا تشوّش علي بالحقائق والوقائع».
كما أن الإصرار على المشروع يشكّل ضغطاً استراتيجياً
دائماً على روسيا، ما دفعها إلى تلبية حاجات أوروبا من الغاز.
كذلك برزت مطامح تركيا التي ستستفيد من تحوّلها إلى
عقدة خط أنابيب الغاز، فضلاً عن أن نابوكو سيعود عليها بعائد سنوي يبلغ 630 مليون دولار،
وسيساعدها أيضاً في المفاوضات الجارية مع أوروبا بهدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
من هنا يمكن فهم ماهية الموقف التركي من الأحداث الجارية في المنطقة، من تونس إلى ليبيا
ومصر ثم سوريا، خاصة إذا علمنا أن نابوكو عبارة عن اتحاد بين شركات ألمانية ونمساوية
وبلغارية وتركية ورومانية بدعم أميركي.
إن من أهم أسباب التدخل الروسي على
الأرض السورية، والعداء الغربي والعربي والتركي للنظام السوري، رفضه عام 2009 مد أنبوب
الغاز القطري عبر أراضيه إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا.
لذلك فإن من أهم أسباب التدخل الروسي على الأرض
السورية والعداء الغربي والعربي والتركي للنظام السوري رفضه عام 2009 مد أنبوب الغاز
القطري عبر أراضيه إلى تركيا، ومنها إلى أوروبا، وبما يؤدي إلى منافسة الغاز الروسي
الذي يشكل ورقة الضغط الاستراتيجية في يد القيادة الروسية على أوروبا. ومن الطبيعي،
بل والمنطقي أن تحفظ هذه القيادة هذا الجميل للنظام السوري، وتبذل كل جهد ممكن لعدم
سقوطه، والحيلولة دون خسارته مثلما خسرت ليبيا والعراق واليمن.
ناهيك عن الحفاظ على قاعدتها العسكرية في طرطوس،
والنظام الذي سمح لها بإقامتها، باعتبارها، أي القاعدة، آخر موضع قدم لها في المنطقة
العربية وحوض البحر المتوسط.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث