من يراقب وجه ليلى، ابنة الخمسة عشر ربيعا، الآن،
يستطيع أن يرى الفصول الأربعة فيه، ابتسامة تائهة حينا، وحزنا يغطي وجه السماء
حينا آخر، وأحيانا مطرا غزيرا مالحا يكرج مسرعا على خدودها الحمراء ليصل دافئا
كقلبها على أسفل الذقن، وحالات أخرى لن يستطيع أحد أن يفسر ما وراءها.
تنظر ليلى إلى أبي صقر، السبعيني الذي يجلس
بجانبها وهو يبتسم بمكر شديد وينتظر أن ينتهي هذا الاحتفال المزور، تنظر إليه ليلى
والحقد والندم يملآن قلبها وروحها، ويشعرانها بأنها ربما ستختنق قبل أن ينتهي هذا
المهرجان المزيف. لا ينقذها من ذلك الاختناق سوى وجه سامر، الفتى الرائع ابن
جيرانهم، والذي وُلد أحبها وأحبته منذ وعت أنوثتها أول مرة. سامر فقط هو من يستطيع
إنقاذها، ولكن أين سامر الآن؟ لا بد أن تنقذها روحه بطريقة ما، بعد أن غيب التراب
جسده الطاهر، فقط لأنه كان شهما ذا عزة نفس لا ترضى الذل. فبالرغم من صغر سنه الذي
لم يتجاوز السادسة عشر، لكنه كان ذا رأي سديد وجرأة نادرة، فقد كانت المظاهرات في
البلدة تتأخر لساعات أحيانا في انتظار أن يطلق سامر صافرة بدايتها، مما حدا بوحوش
الأمن أن تلاحقه مرات عديدة وتدخل بيته في منتصف الليالي وتعذب أهله وإخوته. وقد
سرت إشاعة في البلدة أن الأمن قد اعتقل أخته وقاموا باغتصابها مرات ومرات، حتى
اضطر إلى تسليم نفسه لهم. ولم ينتظر أهله كثيرا حتى أعاده الأمن جثة هامدة مدماة،
عليها آثار واضحة لتعذيب وحشي، ليكون عبرة لأهل القرية كلها. وهذا ما جعل الأخ الكبير
يتوسل إلى أمه وأبيه كي ينزحوا ويهربوا بليلى من وجه هؤلاء الكلاب.
نزحوا نعم، واستقبلهم الزعتري، استقبلهم بغباره
الذي لا ينتهي، وبخيمة لا تقي من البرد ولا الحر ولا الأمطار. عرفوا الذل الأكبر
عند توزيع الطعام، عندما يقفون في الصف الطويل للناس الجائعة وينتظرون حصتهم التي
لا تكفي عدد الأفواه المفتوحة والمحتاجة. كانوا خمسة أفراد، أم وأبا متعبان، وليلى
مع أختين صغيرتين. بعد شهور تسعة من العذاب، بدا التعب والضعف والهزال والمرض على
كل أفراد الأسرة، وأصبحوا في حالة يرثى لها. كان يتردد على المخيم بعض الشيوخ والناس
التي تريد المساعدة، وكان أبو صقر أحد هؤلاء وقد رافقته أم جلال كظله. كانت ام
جلال تدخل البيوت وتتقصّى أحوال العائلات، وتقرر من يستحق المساعدة ومقدارها. تقربت
مرافقة أبي صقر من ليلى كثيرا لتقول لها بعد مدة بأنها أحبتها كابنتها، لذا فقد
قررت أنهم يستحقون أن ينتقلوا إلى شقة مريحة في عمان ودون أي مقابل. كانوا خائفين من
الفكرة لإدراكهم بأن لا شيء يأتي دون ثمن، لكن أم جلال أكدت لهم أن هذه المساعدة
لوجه الله “فقط تعالوا وجربوا”. انتقلوا بسيارة فخمة إلى العاصمة عمان،
وإلى شقة جيدة، برادها مليء باللحوم والفواكه وكل ما يشتهيه النازح مثلهم، عاشوا
فيها لمدة شهر قدّم لهم خلاله كل ما احتاجوه. وبعد ذلك بدأت أم جلال تقنع الفتاة
بأن أبا صقر رجل ذو نفوذ كبير وهو متزوج ولكن الله لم يرزقه بأطفال وهو يريد
الزواج على سنة الله ورسوله، وبدأت عمليات الترغيب والترهيب للفتاة ولأمها ثم للأب
أيضا.
هي الآن تجلس على هذا الكرسي كالمخدرة، لا تفهم
كيف حدث كل ذلك. وأبو صقر يطلب منها القيام فقد انتهت الحفلة، ولا بد أن يذهبوا
إلى غرفتهما.
جرها من يدها وكانت لا تقوى على تحريك قدميها ودموعها
تحجب عنها الرؤية، فلم تستطع أن ترى وجه أمها أو أبيها، لكنهم كانوا أيضا يبكون مثلها.
ضموها على عجل، وذهبت مع أبي صقر. مرّ الوقت الذي قطعاه في الصعود على درج البناء
إلى الطابق الخامس كأنه سنوات طويلة. دخلا إلى الشقة الجديدة، وفتح أبو صقر باب غرفة
النوم ودفع ليلى داخلها قائلا: “انتظريني هنا، انتظري أيتها العصفورة، فقط
ساعة واحدة وأعود”، أغلق الباب بالمفتاح وخرج إلى الصالة ليطلب كأسا من الخمر
وماء ليشرب دواءه.
عاد أبو صقر بعد ساعة، وحين فتح الباب لم يجد ليلى.
كانت النافذة مفتوحة وقد طارت منها روح ليلي لتلتحق بروح حبيبها سامر، لكن فستانها
الأبيض كان واضحا على رصيف حديقة البناء، كان مرميا على الأرض ومزينا بورود حمراء.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث