أحمد العربي
كتبتك يوماً زاويةً ساخرةً في جريدة، هازئاً بها من موقف اليسار العربي،
لتتحول بعد حين ورغماً عن أنفي، لقصة بطولة، خسرت حياتك في أتون صراع
الإيديولوجيات الأممية لكنك ربحت مبدأ، غنيتها مراراً “فيصل مناضل”، فهنيئاً
لك مثولك بتلك الصفة ممثلاً لليسار الحقيقي في الكومنتيرن الأخير بين يدي الرفيق
الأعلى.
هو فيصل مطر الحسون (أبو مكسيم)، من مواليد مدينة موحسن في دير الزور
1956، شيوعي عتيد آمن باليسار وثورته وناضل لتوحيد صفوف الحزب الشيوعي السوري الذي
قسمه نظام الأسد أجنحة. منذ بداية الثورة السورية، كان يحاور ثوار مدينته حول
قواعد الثورة وحول الانحرافات التي يراها في بعض سلوكيات الثوار، وكان يقع في
خلافات معهم، ولكن من تلك التي لا تفسد للود قضية، حيث كانت الروح الثورية توحد
السوريين على اختلاف مشاربهم. وإن كان رأي أبو مكسيم يختلف مع رأي ثوار موحسن، ولكنهم
كانوا يتوحدون مع نغمات عوده وهو ينشد لهم أغاني الثورة.
شهدت حياة أبو مكسيم ما شهدته الثورة السورية من تحولات، فبعد إضعاف
الجيش الحر وسيطرة النصرة على موحسن، استدعي للتحقيق حول انتمائه الشيوعي وأفرج
عنه، ورغم ذلك ظل صامداً ولم يغادر موحسن، ولكنه انطوى على نفسه وقطع أوتار عوده
وخفض صوته. ثم مع بدء عصر داعش اكتفى بزراعة النخل في خطوة رمزية تعبر عن الأمل،
ولكن داعش قررت أن تقتل حتى الأمل في السوريين، فاعتبرت ما يقوم به هو زراعة لإلهه
فهو بنظرهم شيوعي يعبد الطبيعة، وما زراعة النخل سوى نشر لذلك الإله، فاعتقل أبو
مكسيم وحوكم في محاكم داعش في مدينة الميادين، لينفذ به حكمها الذي نفذ على الثورة
السورية من قبله، وهو الإعدام بكسر الرقبة. لذا أعتذر لأبو مكسيم وغيره من
المستنيرين اللذين قتلتهم داعش، ليس باسمي، وإنما باسم أمة الظلام التي ترفض وجود
أي بقعة للضوء فيها.
فداعش تعلمت في مدارسنا وصلّت في مساجدنا، واستمعت لإعلامنا، وتسمّرت
أمام فضائياتنا، وأنصتت لمنابرنا، ونهلت من كتبنا، وأصغت لمراجعنا، وأطاعوا
أمراءهم بيننا، واتبعوا فتاوى من لدننا. هذه الحقيقة التي لا نستطيع إنكارها، وهي
لم تأت من كوكب آخر، ولا هي بخريجة مدارس الغرب الكافر أو الشرق الغابر، وإن كان
بعضهم يحمل جنسية كافرة، ولكن تعبئتهم الفكرية والدموية أتت من بعض مشايخنا وأغلب
مناهجنا ومناهلنا الدينية السياسية. وجغرافية مناهجنا ترسم لهم خرائط الوهم عن أمة
كانت لا تعترف بحدود جغرافية ولا واقعية سياسية، فلماذا نستغرب إزالتهم للحدود
وعدم اعترافهم بها؟
لا يهمهم المستقبل ولا يستقرئون خرائطه وتوقعاته بشكل علمي، فلقد اختصر
له بعض أصحاب الفتاوى أن تفجير نفسه بالكفار سوف تختزل له المستقبل وتطير به في
أحضان الحور. فلماذا نتعجب من معاملتهم للمسيحيين وفرض الجزية عليهم؟ أوليس هذا
قانون البعض؟ وهل هناك بين وسطيينا من ينكر ما قاموا بفعله ضد مسيحيي الموصل من
حيث المبدأ؟ أم أنهم ينكرون ذلك من حيث التوقيت؟
إن داعش هي إعلان إفلاسنا كفكر، وكساسة ومثقفين ورجال دين وإعلام ومناهج
ومدارس وتعليم، هي إعلان شهادة وفاة لكل محاولات إقامة الدولة المدنية العصرية
التي يختلط فيها الدين مع السياسة، هي الدليل القاطع على أننا سنراوح في مكاننا
ولن نلحق بالأمم ما دمنا نعلم أطفالنا في المدارس الغيبيات والطبيعيات في آن واحد،
لنخلق جيلاً منفصم الشخصية معزولاً عن الواقع ومبهوراً بتقدم الأمم.
باختصار، نحن جميعاً داعش، نحن الذين خلقناها وصنعناها وربيناها وعلمناها
وجندناها وشحناها وعبأناها، ثم وقفنا حيارى أمام أهوالها التي صنعناها بأيدينا!..
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث