عبد
القادر عبد اللي
كان
منفذ باب الهوا الحدودي يغلق بين فترة وأخرى لعدة أيام بوجه المسافرين لدواعٍ
أمنية، وخاصة عند حدوث بعض التفجيرات التي استهدفته. وبعد فتح وإغلاق لعدة مرات،
تم الإغلاق التام بوجه المسافرين في آذار من العام الحالي، بذريعة “معلومات
مخابراتية تقول إن النظام السوري يخطط للقيام بأعمال إرهابية أثناء الانتخابات
التركية للتشويش عليها”. انتهت الانتخابات، والعمليات الإرهابية التي حدثت
قامت بها عناصر من داخل تركيا، ولم يكن المنفذون قادمين من سورية، وحتى منفذو
العمليات الإرهابية السابقة من أعضاء جبهة وحزب التحرر الشعبي الثوري في أنقرة
واسطنبول، أو المخططون لها والمرتبطون بالنظام السوري، وقضوا فترة في دمشق، لم
يعبروا من الحدود البرية. هذا يعني أن ما طُرح لا يغدو كونه ذريعة. وما أثبت أنه
ذريعة أكثر هو عدم فتح الحدود حتى بعد الانتهاء من الانتخابات التركية، وبقي طريق
التهريب هو المفتوح، ودخل منه مئات الآلاف، معرضين حياتهم للخطر، وقتل منهم كثيرون
دون أن يُسلط عليهم الضوء.
أخيراً،
وبتاريخ 10/ 9/ 2015، أُعلن بأن باب الهوا قد أُغلق بشكل تام حتى صدور أمر آخر.
الذريعة هذه المرة هي التحقيق بمقتل الجندي غوكهان تشاقر برصاص قادم من الأراضي
السورية قرب الباب الحدودي. وقد تم التحقيق، واستُطلع الواقع، وعادت اللجنة التي
حققت، واستطلعت، ولكن الأمر الآخر لم يصدر، والغريب أن الإغلاق هذه المرة تاماً
حتى بوجه الحالات الإسعافية التي تغلق الأبواب بوجهها لأول مرة منذ انطلاق الثورة
السورية.
لم
تذكر الجهات الرسمية ولا وسائل الإعلام التركية، اسم الجهة التي أصدرت الأمر، ومن
الطرف السوري أيضاً، لم يصدر أحد أي توضيح حول القضية. لذلك فإن كل ما يقال حول
عملية الإغلاق مجرد تكهنات غير مبنية على معطيات ملموسة، ولكن ما هو ملموس أن
عشرات آلاف الموالين للنظام السوري ينزلون في المطارات التركية عبر “مطار حزب
الله” في بيروت، ويقيمون في تركيا، أو يغادرون منها إلى أوربا للاستفادة من
حق اللجوء، بكل سلاسة ودون تعرضهم لأية ضغوط. وبالطبع، فإن الجهات الأمنية التركية
على علم تام بالأعداد الوافدة من الموالين، ووجهاتهم.
قبل
بداية العام الحالي، كان هناك عدد كبير من الموالين للنظام السوري في تركيا، وهم
لا يخفون أنفسهم، وكان يمكن تفسير وجود أولئك الموالين بأن قضية اللجوء هي قضية
إنسانية، على الرغم من أن هذا التبرير غير مقنع.
قضية
الإغلاق التي شملت شحن البضائع، فيها خسائر مادية فادحة لتركيا، فقيمة الصادرات
التركية إلى الشمال السوري تفوق قيمة الصادرات التركية إلى سورية أيام شهر العسل
بين نظام بشار الأسد وحكومة العدالة والتنمية. فاليوم، كل ما في سوق الشمال من
العلكة إلى الفروج وصولاً إلى الدواء والكساء، والطحين هو إنتاج تركي، وحتى
المساعدات الإنسانية التي تدخل إلى الشمال السوري يتم شراؤها من تركيا، وحتى
السيارات المستعملة المستوردة من ألمانيا وسيارات سوق الحرامية التركي تدخل من
تركيا، وغالبية هذه البضائع تدخل من معبر باب الهوا الحدودي. وكان الشحن يتم بأن
تدخل الشاحنات التركية إلى الباب، وتستقبلها من الطرف الآخر شاحنات سورية تنقل
البضائع إليها، لتدخل البضائع بالشاحنات السورية، ولم تكن الشاحنات التركية تتخطى
المنطقة الفاصلة بين البوابتين. أي أنه ليس هناك خطر معين على السائقين الأتراك،
فهم يبقون تحت حماية الجيش التركي، وهذا ما يزيد الموقف التركي غموضاً.
بالنسبة
لمعالجة الحالات الإنسانية والإسعافية فهي عنصر مهم في المعركة، فالجرحى عموماً
يعالجون في المستشفيات التركية، ونقل جريح من منطقة الغاب غرب حماة إلى باب
السلامة شمال حلب، يمكن أن يودي بحياة المصاب، هذا غير المخاطر الكثيرة التي يتعرض
إليها من سيقطع كل هذا الطريق. وهذا يعني تعثراً كبيراً في العمليات العسكرية التي
تجري في الشمال، وعلى أبواب معقل النظام، إن لم نقل توقفها الكامل.
المؤشرات
كلها تقول أنه ليس لتركيا مصلحة بإغلاق الحدود، كما أنه ليس هناك مؤشرات على تغيير
في سياسة العدالة والتنمية نحو القضية السورية، إلا بقضية إغلاق الحدود بوجه
اللاجئين بداية، ثم بوجه الحالات الإنسانية والتجارية حالياً.
بقي
احتمال واحد هو أن الإغلاق رسالة للقوى المسيطرة على الشمال الغربي من سورية الذي
يتغذى من معبر باب الهوا فقط، فما هو مضمون هذه الرسالة؟ هل كانت هناك وعود أو
تعهدات قدمها قادة الفصائل للأتراك ثم نكصوا بها؟ هل باءت آمال الحكومة التركية
بالفشل بطريقة إدارة هذه الفصائل للمنطقة؟ هناك مئات الأسئلة التي يمكن أن تطرح في
هذا الموضوع. وما يثير الشكوك أكثر هو الصمت المطبق من الأطراف كلها.
باب
الهوا هو فتحة رئة لمنطقة واسعة، وعند إغلاق هذه الفتحة يختنق الإنسان، وهذا يعني
أن المنطقة مقبلة على كارثة كبرى إن بقي هذا المتنفس مغلقاً…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث