لم يعد تهجير العرب الممنهج من منطقة الجزيرة السورية خفيّا على
المتابعين، وأصبحت أهدافه واضحة للعيان. فإقامة الدولة الكردية تحتاج لتغيير الطبيعة
الديموغرافية للمنطقة، بدءا بتهجير السكان الأصليين، ومرورا بتغيير أسماء المدن العربية
ووضع تسميات جديدة ما أنزل الله بها من سلطان.
تنوعت أساليب الميليشيات الكردية لتهجير القبائل العربية في كافة مدن الجزيرة
السورية. رأس العين كانت إحدى المدن التي شهدت تهجير العرب قسرا من بيوتهم. ولكلّ مهجّر
منهم قصته المأساوية التي تؤكد حقيقة الواقع الخطر الذي تعيشه المنطقة.
الشيخ المحامي علي عدوان الحلو، أحد الشخصيات المعروفة في مدينة رأس
العين، وأحد أهم شيوخ عشيرة عدوان، ومؤلف كتاب “عدوان عبر التاريخ، القبيلة
القيسية المضريّة”، يحدّثنا عن تجربته المريرة التي أذاقته إياها الميليشيات
الكرديّة عندما هجّرته قسرا من مدينته وسرقت كلّ أملاكه، ولم تكتفِ بهذا، فقد
اتخذت من منزله مقرا للاستقبال وعقد الاجتماعات.
– بما أنك ملمّ بتاريخ المنطقة وأحد كبار مثقفيها
ورجالها، حدثنا عن ماهيّة مدينة رأس العين تاريخيا.
رأس العين حضارة عمرها 3 آلاف عام، ويشهد على ذلك “تل حلف”. وكان
اسمها الحقيقي “قطف الزهور”، وفي عام 1927، خلال فترة الاستعمار الفرنسي،
صار اسمها رأس العين لكثرة ينابيعها، وكا زلت لا أعرف لماذا يسميها الأكراد “سري
كعنين”..!
– ماذا عن التركيبة السكانية للمدينة تاريخيا؟
في خمسينيات القرن الماضي، كان يقطن المدينة 4 آلاف نسمة، توزعوا على الشكل
التالي: 70% عرب مسيحيين و15% عرب ماردين و10 % شركس وشيشان و5% من البدو العرب وخمس
عائلات كردية فقط. في السبعينيات، توافد الأخوة الأكراد من القرى المجاورة ونزحوا من
تركيا وشكلو 30% من سكان المدينة مقابل 70% للعرب.
– كيف كانت العلاقة بين العرب والأكراد في هذه
المراحل السابقة؟
عشنا مع الأكراد علاقة سلام ووئام، وحصلت مصاهرات فيما بيننا، والدليل
أننا نحن، كعائلة الحلو، لنا مصاهرات مع عائلة الخزنوي وأغوات الكيكية.
– كيف كان تأثير أحداث آذار 2004 على العلاقات بين
العرب والأكراد في رأس العين؟
والنظام أراد أن يوئد الفتنة بتحريض العرب على الأكراد. عندها، تدخل العقلاء والوجهاء
وتم احتواء الفتنة، بعد أن عرفوا مطامع الأسد والغرب في زعزعة استقرار العلاقات بين
العرب والأكراد.
في خمسينيات القرن الماضي كان يقطن رأس العين 4 آلاف نسمة: 70%
عرب مسيحيين، 15% عرب ماردين، 10 % شركس وشيشان، 5% من البدو العرب، وخمس عائلات كردية
فقط
– وكيف كان دورك في تلك المرحلة، بصفتك أحد
الشخصيات المهمة في المنطقة؟
بعد أن اتضحت لنا نوايا النظام آنذاك، ساهمنا بوأد الفتنة. بعدها، اعتقلني
فرع أمن الدولة في دمشق، وهددني هشام بختيار عبر الهاتف، بمحاكمة ميدانية، وحقق معي
آنذاك اللواء بهجت سليمان. كل هذا كان بسبب قضائنا على الفتنة.
– حدثنا عن مدينة رأس العين ودخولها للثورة
السورية.
مع بداية الثورة السورية، وهي من أعظم الثورات في العصر الحديث، كان الحراك
السلمي يجوب شوارع رأس العين قبل أن تدخل عناصر مسلحة من دول أجنبية لدوافع اختلفت
مضامينها بين الانتهازية والدينية. تشكل الجيش الحر الخاص بالمدينة، وكان في أشهره
الأولى يحظى بشعبية جارفة، فتولى حماية المدينة بعد تحريرها من سلطة الأسد. لقد كانت
غالبية عناصره من الشرفاء، قبل أن يختلط الحابل بالنابل وتسيء بعض العناصر الدخيلة
لاسم الجيش الحر، فكثرت عمليات السرقة والخطف. فيما بعد، سيطرت بعض الميليشيات على
المنطقة، ومنها ميليشيا PYD، والتي كانت ذراعا لميليشياPKKفي المنطقة.
– كيف استطاعت الميليشيات الكردية أن تسيطر على
رأس العين بالكامل؟
من خلال صفقة سرية لا يعلم تفاصيلها إلا الله. في بداية الأمر لم تقم قوات PYDبالأعمال العدائية ضد العرب. ولكن بعد ثلاثة أشهر من استلامها، بدأت
الميليشيا بتهجير العرب، وصارت تتخذ العديد من الذرائع الكاذبة لتحقيق مرادها.
سيطرة الـ PYD على رأس العين حدثت بشكل مفاجئ، فقد سُلمت إدارة
المدينة، ودون سابق إنذار، للـ PYD، من خلال صفقة سرية لا يعلم تفاصيلها إلا الله.
– هل سرقت PYDأملاكك فور سيطرتها على مدينة رأس العين؟
لا، فكما ذكرت سابقا، بعد ثلاثة أشهر من سيطرتها على المدينة بدأت الميليشيا
بتهجير العرب، وكنت آنذاك في تركيا حين وصلني نبأ اقتراب الميليشيا من بيتي وأملاكي
لمصادرتها، بحجة تمويلي للجيش الحر، رغم براءتي من هذا الاتهام الذي يشرفني لو قمت
به. عندها، أجريت اتصالاتي مع الأخوة الأكراد، وكان قائد المنطقة آنذاك يدعى “جمشيد”،
وهو من قرية قنديل التركية، وقد طمأنني قائلا: “نحن جئنا فاتحين وليس محتلين”.
– فكيف حصلت سرقة أملاكك إذا؟ حدثنا عن ذلك.
إلى رأس العين بديلا عنه، رأى حسين منزلي ومحالي التجارية فبُهر بها، فصادر أملاكي
كلها، وأخذ يستثمر كل محالي التجارية، واستولى على معمل البطاريات ومعمل المعجنات،
إضافة إلى المنزل والديوان. ولم يكتف بذلك، فقد جعل من منزلي مقرا للـ PYD،
ومن المضافة قاعة للاجتماعات والمؤتمرات.
حسين كوجر بُهر بأحد المنازل في رأس العين فصادره واتّخذه مقرّا
للـ PYD، إضافة إلى استيلائه على المحال
التجارية والمعامل.
– هل وقفت مكتوف الأيدي؟ وما كانت ذريعة حسين كوجر
لنهب أملاكك؟
لا أبدا، لم أقف مكتوف الأيدي، فأنا على حق. عندما سمعت بالخبر هرعت أنا وعائلتي
من تركيا إلى رأس العين كي نسترجع أملاكنا، لكن حسين كوجر اعتقلني بسبب قدومي دون إخطار
الميليشيا، ومنع عني الدواء في المعتقل رغم تردي حالتي الصحية. وبعد أيام من اعتقالي،
أخرجوني وطلبوا مني عدم العودة مرة أخرى إلى بلدي، فتم نفيي من رأس العين كي لا أطالب
بأملاكي. ادّعى كوجر أنني اختلست أموالا من الهلال الأحمر التابع للمدينة، لأنه لم
يجد تهمة أخرى يتهمني بها، على الرغم من أنني أحد مؤسسي مركز المنظمة في المدينة،
وقد ودفعت من أموالي الخاصّة الغالي والنفيس للاستمرار بتقديم العمل الإنساني،
وهذا بحمد الله معروف بالنسبة للجميع. حتى حسين كوجر بنفسه يعلم هذا الشيء، لكنّه
اتخذها ذريعة لإبعادي عن المنطقة.
– هل لديك دلائل غير الذي تحدثت عن براءتك من هذه
التهمة؟
لو كنت كما اتهمني لما طلب منّي مغادرة المنطقة، ولو كان محقّا لاعتقلني
وحاكمني، ولكنّه أراد اتخاذ التهمة ذريعة كي يجرح شخص الشيخ علي عدوان ويقلل من
هيبته، لكنّه فشل في ذلك الأمر، ونجح في المقابل بسلب أملاكي.
– ماطبيعة العلاقة بين الميليشيا الكردية وقوات
النظام، بعد أن سيطرت الأولى على مدينة رأس العين؟
على مناطق سيطرتهم منذ بدء الثورة. حتى معارك الميليشيا مع داعش لم تأخذ بعدا
وطنيا، فهي لم تحارب داعش إلا عندما اقتربت من المناطق التي يدّعي الأكراد أنها لهم.
سابقا، والآن صارت ذريعتهم الانتماء لتنظيم داعش.
– هل من كلمة أخيرة توجهها للأكراد في رأس العين،
وفي سوريا عموما؟
تهجّرالعرب باسم الانتماء للجيش الحر، صارت ذريعتها أكبر، وهي الانتماء لتنظيم داعش.
فكل عربيّ هو تابع للتنظيم برأيها، وكل هذا ينصب في بوتقة التهجير الممنهج الذي تنفذه
الميليشيات الكردية ضد العرب، وعلى العقلاء الأكراد أن يرفعوا صوتهم تجاه هذه
الممارسات التي لا تمثلهم، فهم إخوتي، وتوجد بيننا علاقات محبة ومودّة، وقد تعاطف
في قضيتي العديد منهم، إلا أن أصواتهم لم تعلُ على صخب ميليشيا الـ PYDفي رأس العين.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث