الرئيسية / منوعات / منوع / سوريا الآن / سوريا المستقبل

سوريا الآن / سوريا المستقبل

خضر الآغا

الكثير من السوريين المناصرين
للثورة يتخوفون على سوريا المستقبل، ويرون أن ما يجري الآن داخل سوريا يهدد/أو أنه
هدد، بالفعل، الهدف الرئيس الذي قامت لأجله الثورة، وهو بناء سوريا ديمقراطية
تعددية مدنية. ما يجعلهم يتخوفون هو أن التشكيلات العسكرية الكبرى، والأكثر قوة
وتنظيماً على الساحة السورية، هي التشكيلات الإسلامية المتطرفة، أو التي تحمل
فكراً متطرفاً، والتي تنادي بدولة إسلامية تحكم بموجب شرع الله، وليس دولة مدنية
تحكم بموجب قوانين عصرية. ويستندون في ذلك على ممارسات بعض هذه التشكيلات على
الأرض، وعلى تصريحات بعض قادتها التي تقول بذلك علانية وصراحة. تعتبر هذه التخوفات
مشروعة لمن لا يريد ولا يؤمن بدولة دينية، أو دولة تحكمها قوانين ليست عصرية وليست
مدنية، إذ أن الثورة لم تقم فعلاً لأجل هذا.

لكن، كان يمكن أن تكون هذه
التخوفات واقعية لو كان السوريون الآن في مرحلة بناء دولتهم الجديدة، فلو كانوا
كذلك لكانت النقاشات والاختلافات والخلافات حول شكل الدولة مفيدة وضرورية ومثمرة،
أما وأنهم الآن ليسوا في هذه المرحلة، فأعتقد أن هذه التخوفات الآن غير ضرورية ولا
مبرر قوياً لها. سوريا الآن تشهد حرباً حقيقية شنها النظام على شعبه، والصراع
الدائر صعب ومعقد على نحو لم تشهده ساحة من ساحات المعارك في العصر الحديث، وتشترك
فيه تفرعات عديدة: النظام مدعوماً بميليشيات متعددة إيرانية، عراقية، لبنانية، ومن
جنسيات مختلفة، ومؤخراً دخلت قوات روسية على الأرض كقوة احتلال جديدة مباشرة إضافة
إلى الاحتلال الإيراني، وهناك كذلك داعش التي أضعفت كثيراً من قوة الكتائب واستولت
على ما حررته، بالإضافة إلى ممارساتها العنيفة والمتوحشة تجاه الأهالي في مناطق
سيطرتها… الأمر الذي يعني أن الكتائب الثورية والجهادية لم تعد تقاتل النظام فقط
وعلى جبهات محددة، بل إنها تقاتل/وعليها أن تقاتل النظام وجميع داعميه المسلحين
على الأرض، وأيضاً داعش التي ثبت لدى المقاتلين ولدى السوريين المدنيين، أنها تقدم
خدمات كبيرة للنظام، بل أكثر، فقد بدا للسوريين أنها تعمل بتنسيق ما مع النظام. بالإضافة
إلى المصالح الدولية المتشعبة والمتشابكة في سوريا والتي أدت إلى تشابك الواقع
العسكري وتعقد الحالة برمتها…

كل ذلك مرتبط بوجود النظام بين من
يعتبر أنه يقاتل الإرهاب، وبين من يعتبره داعماً للإرهاب، وأنه هو الإرهاب بحد
ذاته. داعموه يقولون إنه هو الأكثر قدرة على محاربة الإرهاب، وإن وجوده هو الذي
يمنع التنظيمات الإسلامية المتشددة من استلام مقاليد الحكم في سوريا. فيما يرى معارضوه إن زوال الإرهاب مرتبط بزاول
النظام، وإن من يقتلهم النظام يومياً ببراميله وصواريخه وفي سجونه، أكبر بما لا يقاس
ممن يقتلهم إرهاب التنظيمات المتطرفة… وهكذا. النظام هو المشكلة الأولى
والرئيسية في سوريا.

أمام هذا كله فإن الأهم الآن هو
إزالة هذا النظام، إسقاط هذا النظام. عندما يسقط النظام فإن حجج الجميع سوف تتلاشى،
وسوف يجد السوريون أنفسهم وجهاً لوجه أما ما يريدون، سوف يتناقشون ويختلفون
ويبتكرون الحلول ويفشلون وينجحون ويتفقون على شكل الدولة أو لا يتفقون… وسوف
يستمر هذا المخاض إلى أن يجدوا أنفسهم مضطرين كل طرف للتنازل للآخر، وعندها يبدأ
بناء الدولة كما يريدون.

قبل إسقاط النظام لا مجال لهذا
الكلام، لأنه لا يؤدي إلى شيء سوى إلى مزيد من الانقسامات، وهو غير عملي لأنه لا يوجد
أي مجال أو أية إمكانية لتطبيقه. إضافة إلى ذلك، وهو الأهم، أن الناس في سوريا وقد
شبعوا موتاً وخوفاً وقلقاً وفقراً ونزوحاً وتهجيراً ودماراً وتدميراً… يريدون
الخلاص من هذه الحرب، ومعظمهم يعرفون أن لا خلاص من هذه الحرب إلا بسقوط هذا
النظام، وبعدها -كما يقولون- لكل حادث حديث.

تصور أنك الآن تخوض حواراً مع أحد
الأشخاص داخل سوريا عن شكل الدولة الموعودة، عليك أن تتصور في هذه الحالة أنه
سيطردك أو سيرميك إلى الشارع لأن هذا الكلام بالنسبة إليه هو نوع من الترف
والرفاهية لا مكان لهما بحياته. سيقول لك شيئاً واحداً: أنت خلّي النظام يسقط أول
شي، وبعدين منتفاهم.

التخوفات على سوريا المستقبل في
هذه المرحلة هو ترف لا يقوى عليه السوريون في الداخل على وجه الإطلاق. إسقاط
النظام أولاً، ثم نبدأ التفكير. النظام يوقف عجلة التاريخ السوري. يجب، أولاً،
إسقاطه لتبدأ عجلة التاريخ بالتحرك.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *