عبد
القادر عبد اللي
على
مدى أسبوعين وأكثر وتحليلات استبدال الليرة السورية بالتركية تشغل الجميع. طوال
هذه الفترة لم أجد غيرها أقرأه مع الأسف، وهي تحمل تشابهاً إلى درجة التطابق بين
التي يكتبها أشباه الأميين والذين تُرفق أسماؤهم بلقب “خبير مالي
واقتصادي”. وباختصار فهي تعطي الرسائل التالية:
–
السوريون جميعاً، من المشايخ إلى الثوار مروراً بالشبيحة، أهم خبراء اقتصاد ومال
في العالم.
–
الغيرة الوطنية تنازلت عن جواز السفر والهوية والعلم واسم الدولة، ولكنها لم
تتنازل عن الليرة.
–
داعش هي الأكثر وطنية في سورية، على الرغم من صراحتها برفض الوطنية.
بداية
سأذكر بعض الأحداث من التاريخ القريب:
–
في السبعينيات عندما بدأ الشيكل الإسرائيلي بالانهيار، دخل الدينار الأردني على
ساحة التداول في مستوطنات الضفة الغربية وغزة (كان أثبت من الدولار نفسه)، وأصبح العملة
الأولى هناك، كما تم تداوله على نطاق واسع في الأراضي المحتلة عام 48، وفشل حاخامات
إسرائيل جميعاً بمنع استعمال الدينار الأردني.
–
بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية دخلت العملات الأجنبية كلها إلى التداول في
الساحة اللبنانية، وكانت الليرة السورية واحدة من هذه العملات، وبقيت قيد التداول
على نطاق واسع إلى مطلع الثمانينيات عندما بدأت بالانهيار هي الأخرى.
–
قبل ثلاثة أشهر، طلب وزير المالية اليوناني بشكل رسمي من حكومته فك الارتباط
باليورو، واعتماد الليرة التركية في التداول كواحد من حلول الأزمة المالية
اليونانية، ولكنه فشل بالأمر على الرغم من تأييد غالبية الحكومة.
–
في الثمانينيات، كان الحكم على من يقبض عليه وبحوزته عملات أجنبية في سورية 15
عاماً، على الرغم من هذا كانت مدخرات السوريين كلها عملات أجنبية.
هذه
الأحداث تثبت بأن تداول العملة في أغلب الأحيان تفرضه الظروف وليس القرارات.
فقرارات حاخامات إسرائيل لم تمنع الدينار الأردني من التداول، وبقي قيد التداول
حتى أجري إصلاح مالي في إسرائيل، وطبع ما سمي الشيكل الجديد، وتحقق استقرار
بالعملة الإسرائيلية. والأمر نفسه ينطبق على مشايخ فتوى استخدام الليرة التركية
بدلاً من الليرة السورية، فالليرة السورية أزيحت من “غالبية” التعاملات
التجارية في سورية حتى في المناطق التي يسيطر عليها النظام، وبقيت في بعض المجالات
المحدودة. ولكن العملة الأكثر استخداماً في سورية اليوم هي الدولار وليست الليرة
التركية، ولا يمكن أن تكون الليرة التركية قيد الاستخدام، والسبب ليس وطنياً، وليس
ذوي الدخل المحدود (عادت هذه العبارة للتداول، وهي تدل أن 99,99 من السوريين لا
يعرفون معنى ذوي الدخل المحدود)، وليست الطبقة الكادحة، السبب ببساطة هو عدم
استقرار الليرة التركية، ولو كانت مستقرة، لدخلت التداول دون فتاوى، ورغماً عن
الرافضين. فمنذ بداية الأزمة السورية إلى الآن، خسرت الليرة التركية خمسين بالمائة
من قيمتها تقريباً، فقد كان سعرها حوالي 1,6 للدولار في آذار من عام 2011، وهي
الآن قطعت 2,80 (تجنبت استخدام الكسور في الرقمين). من ناحية أخرى، ما هي نوعية
العملة التي يدخرها السوريون المقيمون في تركيا نفسها، ولديهم مدخرات؟ من المستحيل
أن تكون التركية!
من
بين التحليلات الجيومالية (الجيو هنا اختصار لكلمة جيولوجية وليس جغرافية) كان
هناك صوت ضعيف خجول كأنه يريد أن يؤيد استبدال الليرة، يقول: “من الأفضل فك
الارتباط باقتصاد النظام”. وهذا كلام جواهر، وهنا مربط الفرس. من هو الذي
يرتبط بالنظام مالياً؟ لقد حوّل الناس جميعاً (شبيحة وثوار) مدخراتهم إلى دولار في
الأيام الأولى للاحتجاجات الشعبية، وهرّبوها إلى الخارج، ومنهم من لحق بها.
ما
الذي يُبقي على الليرة السورية حية، وقيد الاستخدام؟ النظام؟ إيران؟ لو كانت إيران
تستطيع المحافظة على سعر الليرة لحافظت على سعر تومانها.
ثمة
حقيقة يعرفها حتى الأولاد في الداخل السوري، وهي أن داعش لا تبيع النفط لكل من
النظام وتجار النفط الآخرين في المناطق المحررة إلا بالعملة السورية، وهذا ما يجعل
تجار النفط في المناطق المحررة يجمعون الليرة السورية من أجل شراء النفط، وهو
العامل الوحيد الذي يُبقي على الليرة السورية قيد التداول في المناطق المحررة،
وليس مشايخ الليرة التركية من يستطيع إقرارها، وفك الارتباط بالليرة السورية.
بمعنى آخر، الليرة السورية باقية وتتمدد طالما بقيت داعش، وليس النظام. وإذا كانت
الليرة رمز الوطنية، فإن داعش هي الأكثر وطنية في سورية على الرغم من إنكارها لو
جود ما يسمى سورية، ولكن السؤال المؤلم هنا: “ترى ما الذي يجعل الدفاع عن
الليرة السورية مشتركاً بين داعش والجميع؟”، هل هناك داعشية ما في قلب كل
مواطن سوري؟
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث