“نظراً لأهمية القمح كمحصول غذائي أساسي
في حياة الإنسان بشكل يومي، وأهميته الاستراتيجية في التأثير على موازين المواجهات،
فقد تحول خلال الثورة في سوريا، إلى أداة للصراع بين قوات النظام والمعارضة. ولأن
التمويل غاب عن الأخيرة، في حين تلقى النظام عروضاً لشراء محاصيل القمح في المناطق
المحررة، فقد كان التجار والسماسرة هم المستفيد الأكبر”
محمد الصالح
يحتل القمح مكانة هامة بين المحاصيل
الزراعية السورية، حيث تُزرع به 20% من مجمل الأراضي القابلة للزراعة، ويختلف
إنتاجه من عام لأخر تبعاً للعوامل المناخية.
لكن العامل الجديد الذي أثر على إنتاج
القمح هو الحرب العسكرية التي يشنها النظام على المدنيين منذ اندلاع الثورة، حيث
انخفض الإنتاج من 4.913 مليون طن في 2010، إلى 1.800 مليون طن في 2013، بنسبة
تراجع 63%. وكان من المتوقع أن يرتفع الإنتاج هذا العام إلى أكثر من 3 ملايين طن
بسبب الأمطار الغزيرة التي شهدها هذا الموسم.
وخلال العام الحالي، أعلنت الحكومة
المؤقتة على لسان مدير مؤسسة الحبوب لديها حسان محمد، نيتها شراء القمح من
الفلاحين لتغطية مناطق المعارضة بالطحين والخبز، إما عن طريق المؤسسة أو عن طريق
المجالس المحلية، ولو نجحت هذه الخطوة فستخفف من وطأة حصار النظام على المناطق
الخارجة عن سيطرته، وستحل أزمة الطحين في هذه المناطق.
لكن ذلك لم يحصل، فالمؤسسة لم تحصل على التمويل
الذي كانت تنظره من دول أصدقاء الشعب السوري، ولم تستطع سوى شراء كميات ضئيلة،
ليذهب معظم القمح إلى النظام والتجار.
“حزين وواعي”
النظام يعي تماماً خطورة ما تقوم به
المعارضة ومدى تأثيره عليه، لذلك حاول مواجهةَ هذه الخطوة بكل الوسائل، حيث عرضت
شركة تابعة له مهمة استلام القمح في المناطق الخارجة عن سيطرته، مقابل أجور محددة،
دون تحديدها. ووفقاً لمصادر مقربة من إعلام النظام، فإن الشركة المشار إليها كانت
الضامن الوحيد لمحاصيل القمح لموسم 2015 في جميع المناطق الخارجة عن سيطرته.
هذا الأمر تم في درعا، وقد أكده مصدر في
مديرية حبوب درعا قائلاً: “إن عجز المؤسسة دفع الفلاحين لبيع قمحهم إلى
سماسرة النظام، والذي بدوره فتح الطرق إلى مراكز تسليمه في منطقة إزرع”.
مضيفاً: “استطاعت المؤسسة شراء ألفي طن فقط، من خلال القرض الذي حصلت عليه من
رجل الأعمال محمد الزعبي”.
لكن رغم كل ذلك، أقر مدير الشؤون الزراعية
في وزارة الزراعة لدى حكومة النظام، عبد المعين قضماني، أنه تم تسويق نحو 412 ألف
طن من القمح منذ بداية الموسم الحالي، ما يعني انخفاض إنتاج البلاد بمعدل 10 أضعاف
عما كان عليه قبل الأزمة، حين تجاوز الإنتاج 4 ملايين طن، مبدياً تحفظه على
تقديرات وزارة الزراعة التي كانت تحدثت عن توقعات لإنتاج نحو 3.5 ملايين طن.
ومن الطرق التي لجأ إليها النظام أيضاً
لتحفيز الفلاح على بيعه القمح، رفع سعر كيلو القمح من 45 ليرة إلى 61 ليرة، والدفع
“كاش”. بالمقابل المعارضة لم تقف مكتوفة الأيدي حيال ذلك، حيث تم تسعير
كيلو القمح بـ 63 ليرة، والشراء بالدولار، وفقاً لما قاله مدير المؤسسة العامة
للحبوب حسان المحمد، الذي أكد أن “السعر تم وضعه بعد دراسة متأنية”.
خزان القمح تحت وطأة تنظيم
“الدولة”
يسيطر تنظيم “الدولة الإسلامية”
على منطقة جغرافية تشكل خزان القمح في سوريا. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، فإن
الأرضي الواقعة تحت سيطرة التنظيم، توفر 70% من الإنتاج السنوي للقمح.
ولضمان سيطرته بشكل تام على قمح مناطقه،
أصدر التنظيم الشهر الماضي قراراً جاء فيه: “إلى الإخوة تجار الحبوب والإخوة
المزارعين، عملاً بقوله تعالى “وآتوا حقه يوم حصاده”، فإنه يمنع منعاً
باتاً بيع وشراء الحبوب والثمار التي تجب فيها الزكاة مثل الحنطة، والشعير،
والعدس، والكزبرة، والفستق، والزيتون، والعنب، وغيرها، إلا بورقة مختومة من مكتب
الزكاة والصدقات. فنرجو منكم التقيد والالتزام بالقرار، وذلك عملاً بقول الله عز
وجل: “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر
منكم”، ومن يخالف ذلك يعرض نفسه للعقوبة الشرعية”.
المعارضة اشترت ولكن!
مدير المؤسسة العامة للحبوب حسان المحمد،
قال: “إن المؤسسة استطاعت حتى الآن شراء 15 ألف طن من القمح في كل من إدلب
وحلب، لكن لم يتم شراء أي كميات من مناطق درعا وحمص، وذلك لعدم حصولنا على التمويل
الذي تم طلبه من أصدقاء الشعب السوري”. موضحاً أن “المناطق التي تتبع
للمؤسسة من المتوقع أن يصل إنتاجها لنحو 500 ألف طن، ويمكن أن يكون أقل من ذلك
نتيجة قصف النظام للأراضي الزراعية وإحراقها”، مبيّناً أن “قيمة المحصول
في المناطق التابعة لنا تتجاوز 200 مليون دولار”.
وكأحد الحلول لتأمين التمويل، ذكر المحمد
أنه “تم مخاطبة العديد من رجال الأعمال السوريين لتأمين شراء القمح، وذلك
كقروض. ورجل الأعمال السوري وليد الزعبي، كان أول المستجيبين، حيث قام بإقراض
المؤسسة نصف مليون دولار”. موضحاً أن الحكومة المؤقتة تعمل على جبهات عدة، كي
لا يضطر المزارعون لبيع محصولهم لتجار وسماسرة، الأمر الذي سيفاقم الأزمة ويرفع
أسعار الخبز.
وتعقيباً على عدم قدرة المعارضة على شراء
القمح من كافة الفلاحين نتيجة نقص التمويل، يقول وهيب، وهو فلاح من إدلب:
“عدم قدرة المعارضة على شراء محصولنا يدفعنا لبيعه للتجار، رغم أننا لا نريد
ذلك، لكن ماذا نفعل بالمحصول”.
قمح الإدارة الذاتية أين؟
أعلنت الإدارة الذاتية عن رصدها نحو
ملياري ليرة لشراء إنتاج المزارعين من القمح، ووضعت الهيئات المعنية آلية عمل
لاستلام محصول القمح وحصول المزارع على مستحقاته كاملة خلال فترة لا تتعدى
الأسبوع، وتم تحديد مبلغ 60 ليرة كسعر للكيلو الغرام الواحد للأصناف العادية من
القمح، و61 ليرة للأصناف القابلة للتخزين.
ووفقاً لمصدر من هيئة الزراعة والري في
الإدارة الذاتية، فإن شراء القمح تم عن طريق النظام، ولكن بإشراف الإدارة الذاتية.
مضيفاً لـ “صدى الشام”: “إن الإدارة الذاتية ستأخذ ما يكفي
لمناطقها، والباقي سيتم شحنه إلى باقي المحافظات الواقعة تحت سيطرة النظام”.
وعن التنسيق بين الإدارة الذاتية والمؤسسة
العامة للحبوب، قال المحمد: “إن الإدارة الذاتية تتعاون مع النظام بشأن
استلام القمح وتستخدم صوامعه. وفي حال تم التعاون مع المؤسسة العامة لحبوب في
الحكومة المؤقتة، فسيكون عن طريق المجلس الوطني الكردي كونه ضمن الائتلاف، لكن
عندما تم طرح مثل هذا الأمر لإقامة مراكز مشتركة هناك، لم نلمس أي تشجيع على
ذلك”.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث