الفتنة بين السوريين على اختلاف أطيافهم، فما أن يوقظ الخلاف حتى يفرض نفسه كمدافع
عن الأقليات وحامٍ لها، فبه تكون وبدونه لن تكون..! وقد حاول الأسد الأب منذ عام
2000، مستخدما قبضته الأمنية، إذكاء نار الفرقة بين السنة والدروز في محافظة
السويداء، ويتابع الابن المهمة الآن، فهذا الشبل من ذاك الأسد...”
سارة عبد الحي
تناقلت الذاكرة الاجتماعية الشعبية وبعض صفحات التاريخ المحكي لسكان جبل العرب
جنوبي سوريا، الكثير من أحداث الصراع مع العشائر البدوية المتواجدة في المنطقة الجنوبية
بالعموم، وفي المناطق المتاخمة لحدود محافظة السويداء خصوصاً. وتُشير غالبية هذه المصادر
إلى أن تلك النزاعات، لم تكن في جوهرها ذات بعد مذهبي، ولم تقم على أساس ديني أو أيديولوجي،
إنما كانت نزاعات عشائرية اجتماعية ذات بعد اقتصادي معيشي.
طبيعة الخلاف بين البدو والدروز
قدّم حافظ قرقوط، وهو المتحدث الإعلامي باسم تجمع قوى المعارضة في محافظة
السويداء، مداخلة في سياق الموضوع فقال: “لم تكن الصراعات التاريخية بين الدروز
والعشائر الأخرى في جوار مدينة السويداء تختلف عن صراع العشائر المعتاد فيما بينها.
فالدروز اعتبروا كعشيرة عربية بين العشائر بالمنطقة ومنها البدو، فكان فرسان الدروز
كعشيرة معروفية ضمن الجيش العربي الذي دخل دمشق بقيادة الأمير فيصل في بدايات القرن
الماضي مشاركين مع عشائر البدو التي كانت ضمن هذا الجيش أيضاً. وبعد الثورة السورية
الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، واضطرار الثوار الدروز للجوء إلى الأردن ثم إلى السعودية،
كان لتعامل العشائر البدوية أثر طيب معهم”.
وأوضح قرقوط خلال حديثه لـ “ًصدى الشام” أنه “بعد الاستقلال
توالت العلاقات وتطورت بشكل إيجابي بين السكان في الجنوب السوري بكل ألوانهم. ولكون
الزراعة والرعي هي الاقتصاد الأساسي للسكان في تلك المنطقة خلال بدايات تشكيل الدولة
السورية في أوائل القرن الماضي، فإنه من الطبيعي مع عدم وجود دولة مركزية قوية تدعم
الاستقرار وتحافظ على الحقوق من خلال القوانين، من الطبيعي أن العادات والتقاليد السائدة،
والتي تشبه بعضها بين العشائر العربية، أن تكون هي القانون الضابط للمشاكل التي كانت
تحدث. وحقيقة، كانت العشائر تجد حلولها فيما بينها لضبط الخلافات في حدود معينة”.
كانت نزاعات دروز جبل العرب مع بدو المنطقة في معظمها تنطلق من خلافاتهم على
مساحات الأرض بين رعي وزراعة، حيث فرزت طبيعة الحياة وشكلها المختلف بينهما نمطين مختلفين
من وسائل الإنتاج، فاعتمد الدروز على الاستقرار والعمل والإنتاج الزراعي، بينما كان
اعتماد البدو على تربية الماشية والتنقل والرعي، الأمر الذي سبب الكثير من الاحتكاكات
والصدامات بينهما.
معظم النزاعات تنطلق من خلافات على مساحات الأرض، ولم يكن لاختلاف
المذهبين الدرزي والسني دور يذكر
ذوبان النزاع واحترام المذاهب
مثلما لم يكن لاختلاف المذهبين الدرزي والسني دور يذكر في تلك النزاعات، كذلك
لم يكن له دور في منع حدوثها أو انتهائها، بل كان لتقارب نمطي حياة الدروز والبدو،
الاقتصادي والاجتماعي، العامل الأهم في ذوبانها. فكان لميل بدو جبل العرب نحو الاستقرار
والعمل الزراعي وانفتاحهم على الدراسة والتحصيل العلمي، وبالتالي على الارتباط بالعمل
الوظيفي، الدور الحاسم في تعايش المكونين وتكامل وسائل إنتاجهما ووحدة نمط عيشهما وحاجاتهما
واستهلاكهما.
يكمل قرقوط مداخلته في هذه الحيثيّة
فيقول: “إن الأكثرية من البدو الذين استقروا في كل قرى ومدن محافظة السويداء،
كان وجودهم المعيشي، ونمو بيوتهم العمراني، وكذلك حالتهم الاقتصادية العامة، مشابهة
تماما لحالة سكانها من الدروز، أي أنهم سكان أصلاء في كل شؤون الحياة. استمرت هذه الحالة
الاجتماعية في نموها إلى ما بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد وسيطر من خلاله على
السلطة في البلاد. وبعد أن رسخ سلطته، أخذ يتعامل مع السكان جميعاً بطريقة أمنية تضمن
له سلطته، وأخذ مفهوم المواطنة يتراجع أمام مفهوم الولاء للسلطة التي عمدت على تهشيم
النسيج الاجتماعي السوري رويدا رويدا، بما فيها السويداء. ولكن على الصعيد العام، بقيت
العلاقات الداخلية بين الدروز والبدو، في حالة من العيش المشترك الذي استند تاريخياً
على تلك العلاقات الإيجابية التي ذكرت، ولم تسجل حوادث طائفية أو عشائرية ملفتة. وكان
الحضور المعنوي لسلطان الأطرش في ذلك الحين يمثّل جميع المتواجدين في تلك الجغرافيا.
بعد الانقلاب الذي قاده حافظ الأسد وسيطر من خلاله على السلطة،
تعامل مع السكان جميعاً بطريقة أمنية تضمن له سلطته، فأخذ مفهوم المواطنة يتراجع أمام
مفهوم الولاء للسلطة
انتفاضة الدروز عام 2000
نشبَ صدام حاد بين دروز السويداء وبدوها عام 2000، وتطور هذا الصدام إلى معارك
متفرقة سقط خلالها ضحايا كثر بين شهداء وجرحى ومهجّرين..
دخل الكاتب عادل رشيد بسياق هذا الموضوع معتبراً أن “انتفاضة عام
2000 في السويداء لم تكن في حقيقتها صراعاً مع بدو المحافظة كما صورها وصدّرها “إعلام
النظام” الوحيد، الممسك بخيوط كل حرف أو كلمة تنطلق إلى العلن في حينها. وإن كانت
شرارتها قد بدأت بخلاف اجتماعي درزي-بدوي، إلا أنه وبدلائل كثيرة وواضحة، لم يكن صداماً
مسلحاً متكافئاً، ولم يكن بدو المحافظة طرفاً أساسياً فيه، فجميع من قضوا في أحداثها،
وقد تجاوز عددهم الـ 25 شهيدا، قتلوا برصاص ضباط الجيش السوري وعناصر أجهزته الأمنية.
ولفت رشيد لـ “صدى الشام” إلى أن “بعض العناصر من البدو
المرتبطين بأجهزة الأمن مباشرة خرقواعرفاً اجتماعياً غاية في الحساسية عند كل البشر،
ناهيك عن الدروز أو البدو، فقامت أجهزة الأمن بحمايتهم وتهريبهم بعد أن قتلوا شاباً
درزياً من مجموعة شباب تصدوا لفعلتهم، وهو ما أشعل نار تلك الانتفاضة. استغل النظام
حينها الحدث على عدة مستويات منها، وخاصة زرع فتنة بين دروز المحافظة وبدوها، وقدم
استعراضاً لقوّته العسكرية، ولما يمكن أن يفعله فيما لو احتج عليه أو عارضه أحد، وصدّر
إلى واجهة المشهد الاجتماعي بعض الشخصيات الموالية له ولسياسته الأمنية على أرضية مذهبية.
وقد كان النظام على استعداد لتدمير المدينة على رؤوس قاطنيها فيما لو استمرت انتفاضتها
ضد دعمه وتستره على ثلة من عناصره. هذه كانت رسالته إلى أهالي السويداء بعد أن أغلقها
ونشر دباباته على مفترقات طرق المدينة الرئيسية واستقدم عناصر مقاتلة خاصة أرسلت من
دمشق إلى السويداء لدعم عناصره فيها”.
يؤكد الكاتب قرقوط على أن صدام الدروز حينها لم يكن مع بدو المحافظة بصفتهم
العامة فيقول: “كان الأمن منتفعا من علاقته بهؤلاء بسبب التهريب الذي أخذ أشكالا
متعددة”.
في عام 2000 وصل الاحتقان إلى قمته ولم تتدخل السلطة لفض الخلافات أو تخفيف
الاحتقان، بل هناك دلائل على أنها كانت مشجعة وراعية له، فانفجرت الاحتجاجات وعمّت
ساحات المحافظة. تدخل الأمن السوري والجيش بشكل عنيف ضد السكان، ووجدها فرصة كبيرة
لزرع الفتنة التي تفيده بحكمه، فقصف حتى المشافي، ما تسبب بارتقاء عدد من الشهداء،
فازدادت المواجهات بين السكان والنظام الذي انتشر بقواته في الشوارع، وحاصر المدينة.
ويضيف قرقوط قائلا: “استوعب الدروز والبدو تلك الأحداث التي أرادها النظام
أن تأخذ شكلا طائفيا، ونجحت سبل إعادة الأمور لمجاريها. كان واضحا للجميع أن النظام
هو الخصم الوحيد لا البدو، كذلك فهم البدو أن النظام يتلاعب بالإشاعات لإثارة فتنة
مع الدروز عبر عناصر أمنه، لكن الوعي الاجتماعي العام استطاع طي تلك الصفحة، وبقي النظام
شبه عارٍ أمام جريمته بحق سكان محافظة السويداء من بدو ودروز”.
طرفاً أساسياً فيه، فجميع من سقطوا في أحداثها، قتلوا برصاص ضباط الجيش السوري وعناصر
أجهزته الأمنية.
كان واضحا للجميع أن النظام هو الخصم الوحيد لا البدو، وبقي
النظام عاريا أمام جريمته بحق سكان محافظة السويداء، بدوها ودروزها.
بدو السويداء والوضع الراهن
بعد الكثير من الحوادث التي كادت أن تؤدّي لصدام مذهبي مع الدروز على خلفية
المشهد السوري ككل، ومحاولات زرع الفتنة بين المكونين الدرزي والسني، لعب العقلاء من
الطرفين دوراً هاماً في تفويت الفرصة على النظام بضرب السلم الأهلي داخل المحافظة،
فكان لزعماء معظم عشائر البدو ومشايخ الكرامة، والهيئة الاجتماعية للعمل الوطني بالسويداء،
وتجمع قوى المعارضة في المحافظة، والكثير من الشخصيات بصفاتها الاجتماعية الفردية،
أن تظافرت جهودهم كل بحسب إمكانياته وقدرته على الفعل لإطفاء نار الفتن التي أوقدت
أكثر من مرة.
لعل الموقف العام الأبرز والأكثر وضوحا لبدو السويداء، ذاك البيان الذي
نُشر على فيس بوك: “أبناء عشائرنا، من هم الدروز؟ من هم بنو معروف، ومن هم الموحدون؟
هم من تعلّم أبناؤنا على أيدي مدرسيهم الأفاضل، هم من تعالج مرضانا على أيدي أطبائهم
الأكارم. لم يعاملوا مريضا سواء كان من ملتنا أو من درعا أو من الوافدين، إلا كما يعاملون
مرضاهم، وهذا بشهادة أخواتنا الكريمات العاملات في المشفى الوطني من بنات عشائرنا.
فهل يستحقون العداء! نقول هذا إلى كل من ارتضت نفسه أن يمشي وراء من أتى من البلدان
الأخرى ليكفرهم، نقول لكم ولهم: هم يوحدون الله تعالى ولا يرضون له شريكا بالعبودية.
من هم بنو معروف.. هم من يكابدون الليل والنهار ليكسبوا رزقهم. نساؤهم تعمل جنباً الى
جنب مع رجالهم في الوظائف العامة والخاصة ليستطيعوا توفير حياة كريمة لأولادهم. من
نحن عشائر البدو، ومن هم؟ هم عشاق الحضارة والعلم والتمدن، ونحن عشاق الحياة البدائية
والحرية دون قيود، فنحن وهم خلقنا الله لنكمل بعضنا في الحياة المعيشية على اختلافاتنا.
إن ما يجمعنا معهم أننا وهم لم نسع يوما لنجد لنا مكانا في مناصب الحكم، عشائرنا عليها
أن تضع يدها بيدهم لأن هدفنا وهدفهم واحد، وهو العيش بكرامة وسلام، نحن وأولادنا”.
يضيف الكاتب عادل رشيد في سياق هذه الفكرة فيقول: “بدو السويداء أقلية
داخل أقلية. رغم انتماء عموم بدو جبل العرب إلى المكون السني، إلا أن مشاعرهم وسلوكهم
وآلياتهم الاجتماعية والسياسية تخضع لشعور ولسلوك العنصر الأقلوي المنتمي إلى مكان
غالبية سكانه والأكثرية فيه من أصحاب مذهب مختلف، “المذهب الدرزي”. إن بدو
السويداء “سوريون سويدائيون” ـإن صح التعبيرـ كانوا وما زالوا جزءا من المشهد
العام للمحافظة، فيما يتعلق بمواقفهم من الحياة كما من الثورة، وينطبق عليهم ما ينطبق
على الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لعموم أبناء السويداء.. فمنهم اللامعني
بما يجري من حوله، ومنهم المعارض ومنهم الموالي، ومنهم الشبيح ومنهم المرتبط عضوياً
بأجهزة الأمن، ومنهم من شارك بحراك المحافظة السلمي في بداية الثورة، ومنهم من يعمل
ضمن الحركات والتجمعات السياسية ذات الطابع التعددي درزي مسيحي سني (بدوي)، والتي نشأت
خلال الثورة.
ويردف رشيد أنه “يجب الأخذ بعين الاعتبار تستّر الكثيرين منهم على هذه
التوجهات على اختلافها انطلاقاً من شعوره بأنه ابن أقلية سنية داخل الأكثرية الدرزية
في المكان (سيكولوجيا الأقليات). إن استغلال السلطة وأجهزة أمنها وآلتها الإعلامية
لبدو السويداء باعتبارهم أقلية بالجبل، يشابه تماماً استغلالها لباقي الأقليات بالنسبة
لسوريا ككل”.
يضيف حافظ قرقوط في تعليقه على الفكرة: “هذا النظام أتقن العيش على بيئة
الفتن. بعد انطلاقة الثورة السورية ضده، وجد في تلك اللعبة الخبيثة منجاة له لإلهاء
المحافظة بهمومها الداخلية، وإبعادها عن الشأن السوري، فعملت لجنته الأمنية المشتركة،
والتي تضم بدوا ودروزا من المرتبطين بأجهزته المختلفة، على استحضار كل ما يمكنه إشعال
فتيل الفتنة، ولكنها فشلت في زعزعة الاستقرار، فالبدو كما الدروز، كما بقية السوريين،
قد عانوا من قمع وتحطيم للآمال وإرهاب للناس على مدى عقود. حتى الآن مازالت العلاقات
الاجتماعية والوعي العام لدى المواطنين، دروزا وبدوا، هي الحالة الغالبة في المحافظة”.
إن استغلال السلطة وأجهزة أمنها وآلتها الإعلامية لبدو السويداء
باعتبارهم أقلية بالجبل، يشابه تماماً استغلالها لباقي الأقليات في سوريا.
ميثاق شرف
حديثاً، وفيما أعتبره أصحابها إنجازاً وطنياً بعد مشاورات ومباحثات دامت أيام،
وقّع رجال دين مسلمون ومسيحيون وشيوخ عشائر البدو ووجهاؤها في محافظة السويداء وممثلون
عن المجتمع المدني فيها على وثيقة شرف، أكدوا من خلالها على الاستقرار والأمن الأهلي
والتعايش المشترك. تحرّم الوثيقة عمليات الخطف وحجز الحريات، وترفع الغطاء عن المخالفين
وملاحقتهم ومحاسبتهم وفق القوانين. كما أكدت أيضاً رفضها أعمال التهريب. وشددت على
عدم التعرض للمزارعين، والحفاظ على مساحات الرعي، والالتزام بعودة المهجرين إلى منازلهم،
وحماية ممتلكاتهم. وبحسب المصدر، فإن النقطة الأهم التي استند إليها المجتمعون في وثيقتهم،
هي العرف الاجتماعي والتأكيد على أنه الأساس من أجل الحفاظ على الأمن الاجتماعي، والأمن
الديني والاقتصادي في المحافظة، خاصة وأنها شهدت في المرحلة الأخيرة محاولات للعبث
في تركيبة المجتمع المحلي فيها وفي محافظات أخرى.
حرم ميثاق الشرف عمليات الخطف وحجز الحريات، ورفع الغطاء عن
المخالفين، وشدد على عدم التعرض للمزارعين، والحفاظ على مساحات الرعي، والالتزام بعودة
المهجرين إلى منازلهم وحماية ممتلكاتهم.
تؤكد جميع الأطر التي تنظم العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين
دروز السويداء وبدوها، والأطر التي تُحلُّ من خلالها الاشكاليات والنزاعات والأحداث
بينهما، أنها أطر اجتماعية عشائرية وأعراف مرعية وعادات وتقاليد، وعبر وجوه وشخصيات
اجتماعية دينية ومدنية، ما يدلل بوضوح على غياب شبه كامل لدور الدولة بمعناه الإيجابي
في محافظة لم تزل تحت سيطرة نظام الأسد.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث