زينة اسماعيل
في سعيه الواضح منذ بداية
الحراك الشعبي، إلى اللعب على الوتر الطائفي، واستغلال الوضع الراهن في البلاد
لتنفيذ مخططات حلفائه، يفتح نظام الأسد أبواب سورية لإيران، للمضي بمشروعها القائم
على نشر المذهب الشيعي في مختلف المدن السورية، لا سيما دمشق.
تشهد سوريا عامة ودمشق خاصة، ومنذ بداية
الثورة، توسعاً غير مسبوق في انتشار المظاهر الدينية الشيعية، والتي وصلت إلى حد
استخدام شعارات وأغنيات طائفية مستفزة ومسيئة للطوائف الأخرى في قلب العاصمة وبشكل
علني دون خجل أو مواربة. وذلك بعد تقديم النظام تسهيلات كبيرة للإيرانيين، للقدوم
إلى البلاد تحت مسميات عديدة، كان آخرها اللقاء الذي جمع وزير السياحة في حكومة
النظام “بشر يازجي” مع رئيس ما يسمى “منظمة الحج والزيارة” في
إيران “سعيد أوحدي”، حيث تم الاتفاق على تفعيل ما أسمياه (التعاون
السياحي بين البلدين).
سياحة دينية أم استيطان؟
“مع وجود الأعداد الكبيرة من
المقاتلين الشيعة الذين يتوافدون إلى سورية ليقاتلوا في صفوف النظام ضد الشعب
السوري، لم يعد السوريون يثقون بما ترمي إليه هذه المشاريع السياحية”، هذا ما
يؤكده أحد سكان دمشق القديمة، والذي طلب عدم الكشف عن اسمه، مشيراً إلى أن “الشيعة
يتواجدون في سورية ودمشق منذ زمن طويل، وكان يأتي السياح دائماً لزيارة الأماكن
المقدسة بالنسبة لهم، إلا أن الاحتفالات الشيعية كانت تقتصر في فترة ما قبل الثورة،
على طقوس تمارس في أماكن خاصة بهم دون ضجة، وكان ظهورها للعلن خجولاً وانحصر
بحالات معدودة، الأمر الذي اختلف حالياً بشكل كبير، بدءاً من التحصين والتشديد
الأمني، مروراً باللافتات والأعلام، والموسيقى والأغاني الدينية الصاخبة في العديد
من الأماكن، وانتهاءً بحيثيات الاحتفالات أو (اللطميات)”. ويتابع: “الآن
وبكل وقاحة، وأمام الجامع الأموي، تسمع أغنية تقول: (الغضب العلوي تفجر والحلم
الأموي تكسر). إنها رسالة واضحة من النظام والإيرانيين الذين يستبيحون عاصمتنا
وتاريخها، فالأمر ليس مجرد طقوس دينية، وإنما مشروع سياسي كبير”.
تعتبر الممارسة العلنية للشعائر
والاحتفالات الدينية الشيعية في دمشق رسالة واضحة من النظام والإيرانيين لنشر
مشروعهم السياسي لا الديني
ومن جهته، وحسب صحيفة “الوطن”
الموالية للنظام، قال مدير السياحة في دمشق، طارق كريشاتي: “إن عدد المنشآت
السياحية المؤهلة بلغ 40 منشأة جديدة، بقيمة استثمارية تجاوزت 15 مليار ليرة”،
مؤكداً “وجود خطة وجدول لتأهيل الفنادق في دمشق وريفها”. يأتي ذلك بعد
ما أشار وزير السياحة في حكومة النظام “بشر يازجي”، في تصريح سابق، إلى أن
“الخسائر السنوية للقطاع السياحي، بلغت 387 مليار ليرة سورية، خلال الأعوام
من 2011 إلى 2014، وأن أعداد السياح انخفضت بنسبة 98%”، هذا الأمر حسب ما
يقول “عماد”، المقيم في دمشق، “يرسم إشارات استفهام كبيرة عند
أهالي العاصمة وريفها حول هذه الأموال الطائلة التي ينفقها النظام على مثل هذه
المشاريع في زمن الحرب، وحول أعداد من يسميهم النظام بـ”السياح
الإيرانيين” الذين يستمر توافدهم لسورية”.
ترسم خطة تأهيل الفنادق في دمشق
إشارات استفهام كبيرة عند أهالي العاصمة وريفها حول الأموال الطائلة التي ينفقها
النظام على مثل هذه المشاريع في زمن الحرب!
وفي السياق، يشير أحد الناشطين المدنيين
في دمشق إلى أن “إيران ومن يتبعها من ميليشيات شيعية لبنانية وعراقية، تتبع
سياسية ممنهجة منذ أكثر من سنتين، لشراء المنازل في دمشق، حيث يعرضون على أصحابها
مبالغ مادية كبيرة ومغرية. ويشتري هؤلاء المنازل من أصحابها بأسعار تفوق الأسعار
المطروحة في الأسواق”. مؤكداً “أنهم يستغلون حاجة الناس في ظل الوضع
الاقتصادي المتردي في البلاد. كما أن النظام يسهل استملاك الميليشيات الشيعية
للمنازل التي يسيطر عليها. كل هذا يأتي ضمن مشروع النظام، والذي يسعى له منذ
البداية، لتهجير الناس وإفراغ الأحياء من سكانها وإحداث تغيير ديموغرافي فيها”،
حسب تعبيره.
ردود فعل الدمشقيين
وبينما تتزايد أعداد عناصر الميليشيات في
دمشق، تزداد معها سطوتهم وتسلطهم، فقد باتوا يتصرفون في المدينة وكأنها مدينتهم
التي ولدوا فيها أو لهم الحق بكل شبر فيها. هذا ما يؤكده أحد أهالي دمشق قائلاً: “إن
حزب الله والميليشيات الشيعية التابعة لإيران تنصب الحواجز وتفتش الناس وتعتقلهم
كما يحلو لها، وكأن هذه البلاد لهم ونحن الغرباء فيها. بل إن هذه الميليشيات خرجت
حتى عن سيطرة النظام وأصبحت قوات النظام تأتمر بأمرها”. وبالإشارة إلى
المعاناة الكبرى التي يعيشها سكان العاصمة جراء تواجد الميليشيات الأجنبية، يقول: “إن
السكان يشعرون بالقهر، وتراهم ينظرون بازدراء لأي مقاتل شيعي يمشي في شوارع
العاصمة، لكنهم لا يستطيعون التململ أو حتى الاعتراض بسبب القبضة الأمنية الشديدة
على المدينة وحالة العزلة التي فرضها النظام، والقيود والجواسيس والخوف من المجهول”.
قوات حزب الله والميليشيات
الشيعية التابعة لإيران تنصب الحواجز وتفتش الناس وتعتقلهم كما يحلو لها
ويؤكد أحد التجار في حي باب توما، أن “الاستياء
تصاعد بين سكان دمشق لاسيما بعد كثرة الشعائر الدينية الشيعية التي بات يمارسها
عناصر الميليشيات بوضوح في شوارع العاصمة، فساحة باب توما باتت تغص بأعلام حزب
الله وصور قتلاه التي كتب عليها عبارات تدعو للثأر للحسين وزينب”. ويضيف: “هؤلاء
المقاتلين الغرباء لم يأتوا لممارسة الشعائر الدينية وحماية الأماكن المقدسة، بل
إنهم يريدون احتلال بلادنا وقهر شعبنا، والنظام يفرش لهم الطريق لتنفيذ مشروعهم”.
دمشق التي يشهد لها تاريخها بأنها كانت
على الدوام الحضن الذي يتسع لجميع الثقافات والأديان، تعيش اليوم تحت ضغوط نظام
الأسد ومشاريع حلفائه الذين يفرضون لوناً واحداً على هذه المدينة التي لطالما
تألقت بجميع الألوان.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث