الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / كم كنت أحب البحر

كم كنت أحب البحر

حنين عتيق

كم كنت أحب البحر. رأيته أول مرة حين كنت في الصف الثالث الثانوي، وكنا
ذاهبين في رحلة مدرسية، حينها صرخت بطريقة استغربتها كل الرحلة، لقد أدهشتني عظمة
حضوره وسعته، وأسرني ذلك الأزرق الذي لا ينتهي. حينها أحسست أن هذا الخط الفاصل
بين زرقته العميقة وزرقة السماء قد صنع في روحي أفقا جديدا ومدى لم أكن أعرفه. في تلك
الرحلة، وعدت البحر أني حين أصبح أبا سأجلب أولادي إليه وهم صغار مهما كلفني ذلك،
فأنا بت أعرف أنهم يجب أن يعرفوه، وأن يكبروا وهو في داخلهم.

دهشة ابنتي حين كانت في الرابعة من عمرها، ورأت البحر لأول مرة كانت أروع
مما تخيلت. فرحها الطفولي هذا، وتلبكها بالتعبير عن الخوف الممزوج بالرغبة، مسح
عني تعب العمل المسائي المرهق الذي أضفته لمهنة التعليم، مسحه في ضحكة واحدة.

كم كنت أحب البحر، كان يعني لي الحب نفسه، صوت الأبدية، صوت ابنتي وابني،
صوت ركضهما أمام الموج. لا أصدق أبدا أن هذا الذي يحملني الآن ويحاول الصعود إلى
هذا القارب الملعون هو نفس ذاك البحر، لا يمكن أن يكون هذا الموج المرعب هو نفس
الموج الذي لعب مع أولادي. لا يمكن أن يفقد الماء ذاكرته، وينسى رقص روح زوجتي
حينما كانت تسابقها إليه. لقد وعدته في زيارتي الأخيرة أن أفعل كل ما أستطيع كي
أسعدهم، ووعدني أن يحميهم، وكنت أصدق وعود الملح.

كم كنت أحب هذا البحر الذي يحاوطني الآن من كل الجهات، ويهاجم القارب
الذي حشرنا فيه المهرب، وحين أدرك أننا صرنا قريبين من شواطئ إيطاليا قام بتفجير
المحرك وهرب بقارب نجاة. كثيرون نحن الذين نحمل موتنا وأحلامنا على هذا القارب، وها
هو الآن يبدأ رحلة غرقه، بانتظار أن يرانا خفر السواحل الإيطالي، ويأتي إلينا قبل
أن يبتلعنا هذا البحر.

القارب يأخذ بالهبوط، وقلبي يفر مني، مثلما فر مني هناك على حاجز نهر
عيشة حين دقق ذلك الجندي في وجهي ثم قا: “انزل تفضل معنا يا غالي”. وتفضلت،
ستة أشهر كانت زيارتي. وكنت، أنا الغالي، أذوق فيها كل أنواع الضيافة في أقبية
التعذيب، ولكنني بعد أن أصحو من غيبوبة الألم، وكي أصبح قادرا على الحياة، كنت
أستعيد صوت أطفالي وهم يركضون أمام الموج، وكنت أسمع وأصدق وعد البحر.

القارب يهبط أكثر، وصوت ذعر الذين فوقه بدأ يعلو، ما الذي يذكرني الآن
بصوت المظاهرات؟ وكيف أني حين هتفت أول مرة، أحسست أني أسمع صوتي لأول مرة في
حياتي، وكيف كان يمتزج في دمي الخوف مع التحدي، وكيف ولدت بين أصواتنا كل هذه
الألفة حين بدأنا نهتف حرية، حرية. كانت آلاف العصافير قد زقزقت ورفرفت في قلوبنا
دفعة واحدة. صوت الذعر والبكاء والاستجداء أصبح يصم أذن السماء، ولا أدري لماذا
أسمع الآن صوت الرصاصة التي أصابت صديقي بعدما هاجمونا ونحن نهتف، وأرى آلاف
العصافير قد قتلت دفعة واحدة.

القارب يهبط أكثر، وبدلات النجاة التي اشتريناها من مرسين، رماها المهرب
في البحر كي يضيف آخرين بدلا منها إلى رحلته التي لا تشبع. البحر يحاول الصعود إلى
السفينة، صراخ الأطفال يشبه صراخ أطفالي حين داهم الأمن منزلي مرة أخرى بعد خروجي
من السجن، ويشبه صوت قلبي حين ركضت باتجاه تلك البساتين.

البحر يبدأ بالدخول إلى القارب، الشواطئ التي نلمحها تبدو بعيدة، صوت
توسل أولادي “أبي لا تتأخر في طلب لم شملنا” يشعل في دمي الملح، يجب أن
يأتي خفر السواحل، يجب أن ينقذنا، لا يمكن أن أخيب أحلامهم، يجب أن أحميهم، يجب أن
أصل إلى أوروبا ويجب أن أرسل في طلبهم، يجب أن أعيش، يجب أن أعيش… كم كنت أحب
البحر.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *