الرئيسية / رأي / داريا..  وأنت تودعين الشهداء..  لا تنامي

داريا..  وأنت تودعين الشهداء..  لا تنامي

صدى الشام _ ميسون شقير/

هكذا وكما تقتلع الشجرة الوحيدة في حديقتك ولا تملك هذه الجذور إلا أن تودع ذرات التراب التي سقت روحها وأغصانها، لا تملك إلا أن تودع الأرض الوحيدة التي تحتها وتودع عصافيرها بكل الأعشاش التي هوت مع القلع، وبكل العصافير التي ستحوم كثيرا ولن تجد صغارها، بكل الصغار الذين ستأكلهم زواحف الأرض، هكذا يذهب اليوم هؤلاء الرجال في داريا إلى قبور شهدائهم، هكذا يتمسكون بالتراب، بالأسماء على الشواهد الصغيرة والفقيرة، يمرغون وجوهمم وأرواحهم فيها، هكذا يموت اليوم، اليوم بالذات غياث مطر، بكل المطر الذي سكن روحه واسمه.. هكذا يموت اليوم من العطش.

هكذا تذبل اليوم الورود التي حملها غياث مطر ويحيى شربتجي منذ خمس سنوات من القهر والموت والحلم، خمس سنوان من التحدي الأسطوري، خمس سنوات، بثمانية آلاف برميل متفجر، خمس سنوات بسبعة آلاف شهيد.

سبعة آلاف قبر تمسك بأكف وعيون وقلوب الراحلين، تصرخ: لا تذهبوا، لا تتركونا نعيش وحدنا هنا تحت التراب، نعرف ستأتي الجرافات، سيقتلوننا ألف مرة من جديد.

آخرون في جهة أخرى من المقبرة يقولون للأم التي تحمل رضيعا وتقف فوق قبر بكرها الشهيد: اذهبي يا أماه، لم يعد هناك سماء هنا، لم يبق هناك أرض تتسع للمزيد من الشهداء، اذهبي بالصغير يا أماه، يا أمنا كلنا، اذهبي فالمقابر لا تتسع لشغب الصغار.

هكذا يقتلع هذا العالم الشجرة الوحيدة الباقية لنا، وهكذا يرسل جرذانه لتأكل ما سقط من الأعشاش.

داريا أيتها الطاعنة بالحزن، لا تنامي

داريا أيتها المدينة القديمة قدم التاريخ، يا المدينة التي سكنت قصائد الشعراء، لا تنامي

داريا أيتها السيدة الأنيقة صنعت لغرف نومنا دفء أسرّة حياتنا، الخزائن التي علقنا فيها ملابسنا وأحلامنا، مقاعد الحفر الأنيقة والعريقة التي زهت بها غرف استقبالنا، والتي تباهينا بها أمام كل زائر.

داريا طعم عنب يبقى تحت اللسان وتحت القلب، صوت أبي محمود يمر كل صباح نقيا وطازجا كالخس والبقدونس والفول الذي يملأ عربة يجرها حصان جميل.

داريا مساكب الورود على الطريق، أصابع الشاب الرشيقة وهي تقشر لنا صبار أيامنا وترمي كل ما عليه من شوك.

داريا رائحة الخشب بكل الأشجار التي أتى منها، تملأ كل طريق وكل زاوية، صوت عدة النجارة تعيد كل صباح صوت الحياة.

داريا، الدور الكثيرة التي إن دخلتها أسكنونك قلوبهم، قدموا لك كل ما زرعت أيديهم من ثمر وورد، طعم الحليب الشهي.

وذاك الحياء الجميل الذي يسكن العيون.

داريا المظاهرات الأولى، المظاهرات الأنظف والأجمل والأكثر ترتيبا، صوت الرجال الصاعد من قلوبهم، أجمل وأنبل الشعارات المكتوبة، يد غياث مطر وهي تقدم للجيش القادم لقتل المظاهرات، تقدم لهم الحلوى والورود.

داريا، قلب غياث مطر وقد عاد من الاعتقال خارج جسده، داريا تشيع غياث وتشيع كل الورود التي حملها.

داريا البلد التي لم ترفع يوما إلا علم الثورة، ولم تقبل يوما أية أعلام سوداء، داريا التي قاتلت نظام الغدر مثلما قاتلت حملة الأعلام السوداء.

داريا الجيش الحر الذي لم تختلف فصائله يوما مع بعضها، المدينة التي عاشت كل أشكال الموت، كل أشكال الحصار، داريا التي حرقت بالنابلم، والتي بقيت لأخر لحظة يدا واحدة تقاوم.

داريا الشرفات التي هوت بكل ورودها، الأخشاب التي احترقت بكل تاريخها، الشهداء الجميلون بكل شبابهم، وبكل الجميلات اللواتي انتظرنهم.

داريا المدينة التي انتصرت على أطول حصار عرفه التاريخ البشري، أربع سنوات، كانت وحيدة تغزل من عريها ثوبها الممزق ووتتطبخ من جوعها طعام العشاء.

داريا التي قاومت وحيدة عشرات المحاولات البائسة لاقتحامها، داريا التي خذلها الجميع، خذلها العالم بكل وعوده، خذلتها الغوطة بالشعارات السوداء وبالاقتتلال على الغنائم الزائفة، خذلها الجنوب وقد قتلت غرف الموك في الأردن أجمل رجاله، واغتالت هذه الغرف روح الثورة فيه.

داريا وأنت تودعين أبناءك الراحلين عنك وتوجعينا كقلع عيوننا، تودعينهم اليوم بكل شهدائك، بكل شواهد قبورهم، بكل النحيب المفجوع المخذول، تعالي كل ليلة إلى حلمنا..

داريا لا تنامي.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *