صدى الشام _ عبد القادر عبد اللي/
عاد الحديث من جديد حول تشكيل منطقة آمنة شمال حلب بين عفرين وجرابلس. واعتبرت خطوتها الأولى دخول الجيش الحر بدعم عسكري بري وجوي تركي، وبدعم جوي من التحالف الدولي. وعندما نقول التحالف الدولي، فنحن نتحدث عن قوات بشرعية أممية.
إذا كان على هذه القوات ألا تسمح للأسد بأن يستفيد من المناطق المحررة من داعش وفق ما أعلنت الدول المشاركة بالتحالف الدولي في كثير من المرات، فهذا ببساطة يعني منطقة آمنة. وهي ليست المنطقة الآمنة الأولى، فقد سبق وحذرت الولايات المتحدة طائرات النظام السوري من قصف مواقع حزب الاتحاد الديمقراطي وجناحه العسكري وحدات حماية الشعب في محافظة الحسكة، وامتثل النظام للتهديد، وأصبح هناك منطقة آمنة بحكم الأمر الواقع، وهي أيضاً ذات شرعية أممية اعترفنا بهذا أم لم نعترف.
بداية لم تدخل تركيا هذه المنطقة كرمى عيون أحد، فهي دخلتها من أجل مصالحها أولاً. فهذه المنطقة هي التي يأتي منها عناصر داعش إلى الداخل التركي، وينفذون العمليات الإرهابية، ويثيرون البلبلة، ويقدحون شرارات حرب أهلية في تركيا لم يستطيعوا إشعال أوراها بعد بالمعنى الحقيقي للكلمة.
من جهة أخرى كانت وحدات حماية الشعب قد سيطرت على المنطقة الفاصلة بين كنتون القامشلي وعين العرب/كوباني سابقاً، وأعلنت أنها كردية، وهناك اتهامات وتقارير حقوقية دولية تتحدث عن تهجير قومي في تلك المنطقة يرفضها الاتحاد الديمقراطي، والغالبية المطلقة من المهجرين جاؤوا إلى تركيا، وتعتبرهم تركيا مشكلة إنسانية تزيد من مشاكلها.
وفيما لو سيطرت قوات حماية الشعب على منطقة جرابلس وصولاً إلى اعزاز ستصل الكنتونين السابقين مع كنتون عفرين، وبهذا تكون قد أغلقت على تركيا أكثر من تسعين بالمئة من حدودها مع سورية، وفيما لو حاز الأمر الواقع على القبول الدولي، فهذا يعني بقاء مليون لاجئ سوري على الأقل في تركيا إلى ما لا نهاية، وهذا ما تعتبره تركيا ضرباً في الصميم لأمنها القومي. والخريطة التي يعتمدها الحزب الديمقراطي “الكردي” تشمل المنطقة الممتدة حتى الساحل السوري بمعنى أنها تقطع بين تركيا والمنطقة العربية بشكل كامل فيما لو سيطرت عليها “قوات الحماية الشعبية”.
رافقت هذه العملية شكوكٌ كثيرة حول أنها جاءت نتيجة صفقة ما أنجزتها تركيا مع أطراف ما. تارة يُطرح بأن هذه الصفقة تمت مع النظام السوري، وتارة مع الأمريكان، وتارة مع الروس والإيرانيين… وغيرهم.
بالنتيجة لقد بدأت العملية التي أسميت درع الفرات، وأنجزت منها المرحلة الأولى، سيتبعها مراحل، والمراحل المعلنة حتى الآن تنتهي ببسط النفوذ على منطقة تمتد تسعين كيلومتراً بعمق سبعين وصولاً إلى مارع، وهناك من يقول إنها أقل من ذلك، وينزل الرقم بالنسبة إلى البعض إلى سبعين بعشرين، ولكن هذا العمق لا يكفي لطرد داعش من المنطقة، وستبقى مؤثرة سلباً على المنطقة.
لقد خرجت كثير من المناطق السوية من سيطرة النظام إما لصالح داعش أو لصالح تنظيمات إسلامية أو لصالح الجيش السوري الحر، أو لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي، ولكن أياً منها لم تحصل سابقاً على شيء من الشرعية لأن النظام السوري يستطيع أن يطال هذه المناطق بطائراته وطائرات سادته، أو أن قواته على الأرض كانت قبل هذه المرحلة تتعاون مع قوات منطقة الكنتونات الكردية. ولعل هذه المرة الأولى التي تخرج أرض سورية من سيطرة النظام لتخضع للحماية الدولية، وهذا يعتبر تطوراً لافتاً يحدث لأول مرة بشكل فعلي.
على الرغم من كل شيء فالمنطقة مقبلة على تطورات كبيرة، ويقرُّ بهذا كثيرون، وكان أول من أعلنها رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم.
صحيح أن نظرية المؤامرة هي الباب الأسهل لتفسير ما يجري، ولكن أليس من الممكن الاستفادة من الظروف المستجدة؟
لم يستفد حزب الاتحاد الديمقراطي من الفرصة الذهبية التي سنحت له، ولعله لو أبدى بعض المرونة في التعامل مع الآخرين لقدم نموذجاً من التعايش يمكن أن يغدو مثالاً يتقبله كثير من الذين يرفضونه الآن، وكذلك الأمر لم يقدم جيش الفتح نموذجاً مقبولاً في الإدارة يشجع الآخرين على تقبله، وهكذا خسرت هذه القوة أيضاً فرصة يمكن تسميتها ذهبية.
لقد احتفى كثير من السوريين بالداخلين إلى جرابلس، وبحسب المعلومات الواردة فإن العملية خلت من النهب، والتعدي على حقوق الآخرين كما كان يحدث عند دخول قوات النظام السوري أو بعض القوات المحسوبة على المعارضة إلى المدن، وقدموا صوراً من الانضباط لهم كنا قد افتقدناها تماماً في الساحة السورية.
ثمة كثيرون حاولوا تشويه هذه الصورة التي حازت إعجاب الناس ببث صورٍ أخرى سلبية، ولكن أياً من تلك الصور لم تستطع الصمود، وهذه المرة الأولى التي يفشل الإعلام الآخر بالترويج لصورة أرادها.
صحيح أن الأتراك دخلوا منطقة شمال حلب من أجل مصالحهم أولاً، ولكن مسؤوليات كبرى تقع على عاتق الذين دخلوا بدعم منهم، وهم “الجيش الحر”، ويمكن أن تستفيد هذه القوة من المستجدات الجديدة، وتقدم نموذجاً في الإدارة مقبولاً، يسمح للإغاثة والإعلام والإدارة بالعمل المؤسساتي في المنطقة التي يدخلها.
حتى لو كان هناك صفقات بين أطراف دولية، فإن الواقع على الأرض هو الذي يحسن أوضاع تلك الصفقات، فإن لم يستغل السوريون ما حدث في جرابلس، وما يمكن أن يحدث بعد جرابلس، لن تكون العملية سوى واحدة من سلسلة الأحداث التي انتهت بخيبات.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث