الرئيسية / سياسي / سياسة / تحليلات / داريا لم تسقط … داريا أسقطت أقنعة الجميع

داريا لم تسقط … داريا أسقطت أقنعة الجميع

صدى الشام _ العميد الركن أحمد رحال محلل عسكري واستراتيجي  /

لم تتعرض مدينة في العصر الحديث لما تعرضت له مدينة “داريا”؛ أربع سنوات من الحصار والقتل والدمار، أربع سنوات من قتل ممنهج لم يترك بها نظام “الأسد” و”إيران” سلاحاً إلا واستخدموه ضد أهالي داريا، كانت البراميل هي السلاح الأكثر استخداماً بعد أن نالت مدينة “داريا” لوحدها أكثر من خمسة آلاف برميل سقطت فوق رؤوس الأهالي لتحيل أحياء المدينة إلى ركام أصبح خطاً دفاعياً أمام تقدم مدرعات وآليات عصابات “الأسد” وحلفائه.

البراميل المتفجرة لم تكن السلاح الوحيد الذي استخدمه نظام الإجرام الأسدي بل كانت الصواريخ وقذائف الدبابات والمدفعية. وحتى الأسلحة الكيميائية لم تسلم منها تلك المدينة الوادعة التي شكلت شوكة في حلق النظام وهي التي تطل مباشرة على أوستراد دمشق_بيروت (طريق إمداد حزب الله من إيران عبر مطار دمشق الدولي)، وكذلك تتلامس مع الطرق الواصلة إلى الجولان ودرعا، وتبعد حوالي (2) كم عن المطار الأكثر إجراماً بحق السوريين وهو مطار المزة وسجنها المشهور مع مخابراتها الجوية، وكذلك فهي تبعد عن قصر “الأسد” حوالي (6) كم كخط نظر.

كل تلك المزايا بالموقع الجغرافي أعطت تلك المدينة أهمية لا يمكن تجاوزها في كل حسابات غرفة عمليات “قاسم سليماني”، قائد فيلق القدس والحاكم العسكري الإيراني لسورية، وانعكست تلك الأهمية بجرائم سيسجلها التاريخ عبر صفحاته.

ورغم صدور أكثر من خمسة قرارات أممية عن مجلس الأمن كان آخرها القرار (2254) تطالب بفك الحصار عن (18) منطقة محاصرة في سورية منها مدينة “داريا” إلا أن الرفض والإصرار على التجويع والقتل كان هو الرد “الأسدي”، رغم أن الفصائل التي تقاتل داخل المدينة هي من الجيش الحر ومن أهالي مدينة “داريا” وهم (الاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، لواء شهداء الإسلام) وبالتالي لا ذريعة بوجود “جبهة فتح الشام” أو “تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)”. وحتى عند قيام ممثلة المبعوث الأممي “ديمستورا” السيدة “خوله مطر” بالضغط لإدخال قوافل إغاثية للجياع داخل المدينة كان شامبو القمل ودواء الجرب وناموسيات هي كل ما سمحت به حواجز حزب الله وحواجز نظام الأسد بأن تحمله الشاحنات في طريقها إلى داخل داريا. وزيادة بالإمعان في تغيير معالم ديموغرافية دمشق “عاصمة الأمويين” اتبعت قوات الأسد سياسة طرد السكان الأصليين وتشييع البلاد، فزادوا من حصارهم على المدينة بعد أن باع “بشار الأسد” المناطق الواقعة جنوب منطقة “المزه بساتين” بالقانون (23) لعام 2015، الذي منح إيران حق التملك بأكثر من ألف (هكتار) من أراضي وأملاك مدينة أهالي مدينة دمشق لإقامة مشروع “الأبراج الإيرانية” الذي يٌشرد أكثر من مليوني مواطن سوري من أصحاب تلك العقارات، والتي قٌسمت لمشروعين:

– المشروع 101: ومساحته 215 هكتار ويشمل منطقة جنوب المزة.

– المشروع 102: ومساحته (800) هكتار ويشمل عقارات تتبع لـ (مدينة داريا، حي القدم، حي العسالي، حي نهر عيشة، بساتين المزه).

عسكرياً يمكن القول أن مدينة داريا كانت تشكل خط الدفاع الأول عن خان الشيح والجبهة الجنوبية وعن الغوطة الشرقية وأحياء “التضامن” و”مخيم اليرموك” وحي “القدم” وغيرها، وكانت نقطة تركيز النظام وانشغاله عن بقية المواقع المحيطة بدمشق، وبالتالي خسارة جبهة “داريا” وبغباء عسكري ممن تخاذل عن حمايتها ومساندتها سيجعله يدفع الثمن غالياً بعد كشف جبهاته وانزياح جبهة الصد عن مواقعه بعد خسارة “داريا”.

غرفة الموك التي “جمدت” الجبهة الجنوبية وأدخلتها في سبات شتوي في عز فصل الصيف، مع بعض التوافقات (المشبوهة) لبعض فصائل الغوطة الشرقية التي يبدو أنها جرت من تحت الطاولة (مع جهة ما) كانت نتيجتها الامتناع عن إمداد العون لإخوانهم في الغوطة الغربية وترك مدينة “داريا” لمصيرها المحتوم، كل تلك الأحداث ستظهر نتائجها قريباً وستكون هناك تبعات لم يٌحسن تقديرها أصحاب العقول المتجمدة التي خذلت جبهة “داريا”، وأدت لتهجير سكانها نحو ريف إدلب وبقية المناطق التي يرغبون فيها، وخارج سيطرة عصابات “الأسد” الذي سرعان ما استقدم قطعان من “شيعة” العراق إلى مدينة داريا واعترف النظام بذلك بذريعة استقبال النازحين من أطراف مدينة “الموصل” العراقية نتيجة المعارك الدائرة هناك مع تنظيم “داعش”، وكأن المدن السورية تعيش في رغد وسرور ولا يعكر صفوها قتال، وبمنطق أقرب ما يكون للغباء.

عملية تهجير سكان “داريا” كانت على أنقاض اجتماع في جنيف ضم وزيري الخارجية الروسي والأمريكي وأثمر عن اتفاق بألا يتفقوا، فالأجندات مختلفة والطلبات متناقضة وسقف التنازلات الأمريكي للطلبات الروسية وصل للحد الذي أثار الجبهة الداخلية الأمريكية المتمثلة بوزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات الأمريكية، اللتان اتهمتا الرئيس “باراك أوباما” ووزير خارجيته “جون كيري” بتسلم سورية لـ”بوتين”. أما روسيا فقد شعرت بالورطة التي جرتها إليها “إيران” وأدت لانزلاقها في الرمال السورية، وزاد هذا الضغط مع انقضاء الأشهر الأربعة الأولى التي أعطتها وزارة الدفاع الروسية وقيادتها السياسية لطيرانها كمهلة زمنية لإركاع الثورة السورية، ومع انقضاء تلك المهلة وعدم قدرتها على تغيير موازين القوى رغم تمديد الفترة لشهرين إضافيين، لجأ الطيران الروسي للأسلوب الأقذر في الحروب وهو استهداف التجمعات المدنية والمشافي ومراكز الدفاع المدني وارتكاب مجازر موصوفة ومقصودة بغاية دفعهم للاستسلام، فما زادت ضربات الروس الجوية ومجازرهم ضد الشعب السوري الحر إلا مزيداً من التماسك والإصرار والالتفاف حول فصائله، ومع بلوغ فترة الاحتلال الروسي لسورية قرابة العام ومع النزيف الاقتصادي والعسكري والسياسي الذي تعاني منه روسيا في سورية كانت تتوقع أن تحصل على تعاون عسكري مع الإدارة الأمريكية في جنيف من الوزير “جون كيري” تخفف من وطأة انغماسها العسكري عبر المشاركة بالطلعات الجوية وعبر إعطائها مظلة قانونية أمريكية تحميها مستقبلاً من محكمة الجنايات الدولية باعتبار أن الجرائم الإنسانية لا تموت بالتقادم وهذا ما يٌقلق قادة “موسكو”.

بعد اجتماع دام لحوالي (12) ساعة خرج الطرفان الأمريكي والروسي ليعبرا بعبارات دبلوماسية عن إخفاقهما في التوصل لاتفاق نهائي، لكن موسكو التي تصر حتى الآن على شروطها، لديها الحل الذي ينقذها من تلك الورطة ويعيد لها ماء الوجه عبر التخلي عن رأس الأسد الذي أصبح عفناً وغير قابل للبيع أو الاحتفاظ به، ولكن وبدل ذلك وجدنا غض طرف من الجميع على المخطط الإيراني وعلى تهجير وإفراغ سكان “داريا”.

مقاتلو “داريا” خرجوا من معاقلهم كالنسور … لكن “داريا” لم تسقط، بل أسقطت الأقنعة عن الكثير ممن يدعي أنه ثائر وتخاذل عن نصرة أيقونة الثورة السورية وعنوان صمودها.

تم إفراغ “داريا” لكن “غياث مطر” رمز ثوار “داريا” لم يسقط ولم تغب صورته وهو يوزع الورود على جيش ظن يوماً أنه جيش الشعب فقتله بإجرامه.

غابت “داريا”

نعم غاب أبطال “داريا” ودخلها الأوغاد … وستذكرون “داريا” مطولاً … ففي الليلة الظلماء يٌفتقد البدر … وبدر دمشق يشرق من بين ثنايا تراب “داريا”.

سامحينا “داريا” … فما عرفنا قيمتك.

سامحينا “داريا” رغم أننا لا نستحق …

شاهد أيضاً

قرار أممي ينهي العزلة عن دمشق ويفتح مرحلة جديدة من الانفتاح الدولي

أنهى مجلس الأمن الدولي واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً حين صوّت بأغلبية 14 دولة …

الرئيس السوري أحمد الشرع: رفع العقوبات عن سوريا بداية لمرحلة جديدة من التعافي والبناء.

في كلمة مؤثرة ألقاها الرئيس السوري أحمد الشرع، استعرض تاريخ البلاد المأساوي تحت حكم النظام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *