الرئيسية / مجتمع واقتصاد / مجتمع / “داريا”…حكاية الثورة التي لم تنته
الصورة / أنترنت

“داريا”…حكاية الثورة التي لم تنته

صدى الشام _ رنا جاموس/

في مسعى منه لإحداث تغيير ديمغرافي في محيط العاصمة، وتحويل مدينة داريا الملاصقة لها إلى عمق استراتيجي موالٍ له، أنهى النظام السوري يوم الجمعة تهجير آخر مواطن من سكان مدينة داريا بعد حصار خانق دام أربع سنوات تخللته عشرات المحاولات الفاشلة لاقتحامها.

لم يكن يوم 26 آب 2016، يوما عاديا في حياة السوريين ولا في تاريخ سورية، بل كان إعادة لمشهد حمص القديمة منذ عامين حين غادرها أهلها، بتواطؤ دولي، حيث شاركت في الجريمة الدول الداعمة للنظام وصمتت الدول التي تدعي دعم الثورة.

سنوات مرت على داريا، كانت فيها أيقونة الثورة، وكانت الشاهد الأمثل أمام العالم على همجية النظام السوري، فكانت على موعد يومي مع البراميل المتفجرة حتى سميت المدينة بـ”مدينة البراميل”، لكنها بقيت رمزا مهما في الثورة السورية على مر السنوات الخمس الماضية، كما بقيت نموذجاً لحلم أي ثائر سوري أينما وجد، وكانت نقطة الالتقاء بين جميع الفرقاء.

 ففي تلك الرقعة الجغرافية الصغيرة الواقعة في ريف دمشق على بعد ثمانية كيلومترات إلى الغرب من دمشق، فُصلت المؤسسة العسكرية الممثلة بفصيلين عسكريين فقط، عن المؤسسات المدنية، الأمر الذي أسهم في صمودها أربع سنوات في وجه النظام، وجعلها المدينة الأكثر تنظيما ومثالية في سعيها لتحقيق أهداف الثورة السورية.

“الحلم” الثوري الذي حُسدت عليه داريا، انكسر صبيحة يوم الجمعة 26 آب 2016، مع انطلاق أول حافلة تهجر من تبقى من أهالي داريا، ومع هدير الباصات، كانت الثورة تتعرض للضربة الأقسى، بفقدها النموذج الحضاري الأكبر والذي يمثل “الثورة الحلم”.

بدايات الثورة السلمية

ما بين 25 آذار 2011 و25 آب 2016، حضنت داريا “حكاية الثورة” بكل تفصيلها، وكل أمل وحلم، فمنذ خروج أول مظاهرة سلمية كانت داريا في الصفوف الأولى، فخرج شبابها وعلى رأسهم غياث مطر ويحيى شربجي بتظاهرات سلمية، تلتها مظاهرات “الجمعة العظيمة” بتاريخ 22 نيسان2011، والتي شهدت أول قتل للمتظاهرين السلميين بدم بارد من قبل النظام السوري. وبعد مقتل سبعة متظاهرين بالرصاص الحي، كانت تلك الجمعة فتيل أشعل نار الثورة في مدينة العنب، لتكون سبيلاً لسلسلة من المجازر المتعاقبة، وصل معها عدد القتلى في نهاية شهر آذار إلى 360 مدنيا، بالإضافة لاعتقال 780 آخرين.

مجزرة داريا الكبرى

مرت شهور من الإصرار على السلمية في داريا، لكن سكانها باتوا على موعد يومي مع الموت، فكان الإعلان عن تشكيل نواة الجيش الحر بمدينة داريا في 21 كانون ثاني 2012، وقد اقتصر دوره حينها على حماية المظاهرات وتأمين مداخل المدينة منعاً لأي حملة اعتقالات، ما جعل هذه الفترة هي الفترة الذهبية في النبض الثوري السلمي المحمي من أبنائه.

السمة الذهبية لتلك الفترة لم تدم طويلاً، فقد استيقظ أهالي داريا في ثاني أيام عيد الفطر، 20 آب 2012، على انقطاع الكهرباء وإغلاق مداخل و مخارج المدينة بالسواتر الترابية والحواجز العسكرية، وكان ذلك تمهيدا لمجزرة “السبت الأسود” التي وقعت في 25 آب 2012، والتي راح ضحيتها أكثر من 300 مدني قُتل معظمهم بالسكاكين، وأتبعها النظام بحملة قتل بالرصاص الحي للمدنيين ليبلغ عدد القتلى بالمجمل 440 شخصا، بحسب لجان التنسيق المحلية، بعد أن قامت الفرقة الرابعة لجيش النظام السوري بحملة مداهمات وتصفية بالرصاص في المنازل وإحراق للوثائق المدنية والأوراق الثبوتية لعائلات بأكملها.

وبحسب الصحفي البريطاني روبرت فيسك الذي زار موقع المجزرة واستقى معلوماته من شهود عيان من سكان البلدة، فقد بدأت عملية الإعدام عقب فشل عملية مفاوضات لإطلاق سراح مساجين بين الجيش السوري الحر، وقوات النظام في مدينة داريا.

مجلس مدينة داريا

كان الهاجس الأكبر لدى جميع المناطق التي عمتها الثورة هو معرفة ما ميّز داريا وجعلها كتلة صلبة صعبة المراس، غير قابلة للتفكك أو التشتت رغم كل ما تعرضت له، وهذا ما تلخصه الآلية التي انتهجتها داريا في إدارة شؤونها سواء أكانت العسكرية أم المدنية، فقد سعى أهالي داريا لإيجاد هيئات مدنية رغم كل الحصار الذي تعرضت له، فأسس المجلس المحلي لمدينة داريا يوم 17 تشرين الأول 2012، بهدف تجميع الجهود الثورية والعسكرية في إطار تنظيمي يتجاوز نقاط الضعف والفوضى والتشتت السابق في العمل. هذه الفرحة والنقلة النوعية لم تدم إلا قرابة الشهر، لتكون داريا على الموعد الأول مع الطيران الحربي الذي قصف المدينة للمرة الأولى بتاريخ 13/11/2012.

الحصار مستمر

كان اسم داريا حاضراً دوماً في الاجتماعات الدولية المتعلقة بسوريا، وفي قرارات مجلس الأمن المتتالية، 2139/ 2165/ 2254/ 2268، التي أكدت جميعها على ضرورة فتح ممرات وطرقات للمنظمات الإنسانية لإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة ومن ضمنها داريا، ولكن هذه القرارات بقيت عاجزة عن التطبيق أمام رفض النظام السوري لتنفيذها. وبالمقابل، فقد أطبقت قوات النظام وميليشاته الحصار على مدينة داريا بشكل أكبر في الأشهر الثلاثة الأخيرة رغم المناشدات الإنسانية الكثيرة.

أرسلت الأمم المتحدة أول مساعدات إنسانية بتاريخ 12 أيار 2016 ومنع النظام السوري دخولها، فكان من الأمم المتحدة أن أرسلت برسائل اعتذار من المجتمع الدولي لأهالي داريا، تعبر عن عجزهم عن إجبار النظام السوري على تنفيذ القرارات الدولية. وشهد يوم 10 حزيران2016  دخول أول دفعة مساعدات إنسانية إلى مدينة داريا، بإشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري. لكن هذه المساعدات كانت وبالاً على أهالي داريا، اذ ألحقها النظام بحملة قصف مكثف بأكثر من 28 برميل متفجر بحسب المجلس المجلي لمدينة داريا، في محاولة منه لإعاقة توزيع المساعدات، التي كانت مؤلفة من 9 شاحنات، تحوي 3 منها مساعدات إنسانية، و6 مواد طبية ومستلزمات نظافة.

فصل داريا عن المعضمية

كانت داريا قد دخلت منعطفاً هو الأخطر في تاريخها منذ بداية الثورة السورية، بعد أن استطاع النظام السوري فصلها عن المنفذ الوحيد لها “معضمية الشام” في 26 كانون الثاني 2016، الأمر الذي أفقد داريا طريق الإمداد الأخير، والمعبر الوحيد للمساعدات الإنسانية.

بدأ النظام بعدها بسلسلة معارك شرسة وحملة براميل وقصف ممنهج، استطاع خلالها الاستيلاء على معظم الأراضي الزراعية التابعة للمدينة.

وكان الوضع في داريا قد أخذ بالتغيير مع بداية عام 2016، بعد أن أنهك الحصار الذي بدأ من تشرين الثاني 2012 الجميع، وباتت محاولات النظام السوري أعتى وأقوى، سيما بعد تفرغ غالبية قواته التي كانت تنتشر في جنوب سوريا (درعا) لداريا التي لا تتجاوز مساحتها البضع كيلومترات

اتفاق الإجلاء

قالت مصادر خاصة من داريا في حديث خاص لـ”صدى الشام”: “لقد وافقت لجنة داريا على شروط النظام، بعد صمود دام أربع سنوات، وبعد أن سيطر النظام على معظم الأراضي الزراعية منذ ثلاثة أشهر في الجهة الغربية للمدينة، ووصل إلى الأبنية السكنية، ما جعل الوضع الإنساني أصعب بكثير، ويعرض حياة الناس لخطر الموت جوعاً”، وأضاف المصدر “لم يترك النظام نوعا من قصف لم يستخدمه مستفيدا من الأسلحة الروسية المتطورة التي تم تزويده بها، ما أدى لهدم 90% من البنية التحتية لداريا والتي كان آخرها المشفى الميداني الوحيد في المدينة والذي خرج عن الخدمة الأسبوع الماضي”.

هذا وبدأ التفاوض بين وفدي النظام ولجنة داريا، منذ صباح الأربعاء 24 آب، وانتهى إلى الاتفاق على بقاء من يريد عقد مصالحة مع النظام بعد تسليم سلاحه، وخروج كافة أهالي داريا من مدنيين إلى ريف دمشق، وخروج العسكريين غير الراغبين بالمصالحة مع سلاحهم الفردي إلى شمال سوريا “إدلب” ، بعد تسليمهم للأسلحة والمعدات الثقيلة.

داريا بالأرقام

داريا التي تبلغ مساحتها 30 كيلومترا مربعا، والتي يعتمد سكانها على الزراعة، دمرها النظام بنسبة 80%، وأجبر أكثر من 90% من سكانها، بحسب إحصائية المجلس المحلي لداريا، على النزوح عنها، ليقوم النظام بترحيل آخر سكانها الذين بلغ عددهم 8300 شخص خلال أربعة أيام، لتصبح داريا خالية تحت سيطرة النظام السوري للمرة الأولى بعد أربع سنوات.

بلغ عدد سكان داريا 255 ألف نسمة بحسب إحصاء عام 2007، وتم قصف المدينة بأكثر من 9005 برميل متفجر وكما خسرت خلال السنوات الخمس أكثر من 2300 قتيل، بحسب إحصائية مركز داريا الإعلامي، وعاشت تحت الحصار الخانق حوالي أربع سنوات منذ تشرين الثاني 2012.

اليوم داريا اليتيمة، لا تجد من يضمد جراحها بعد خروج أهلها منها، أولئك السكان الذين بحثوا بين ركام مدينتهم التي هجروها اليوم، عن بقايا حلم لا يزال يترنح على جدار أيقونة الثورة، قبيل تنفيذ مشروع التغيير الكامل للمدنية عمرانياً والأهم ديمغرافياً.

شاهد أيضاً

أعمال السوريات في تركيا.. مشاريع صغيرة تصارع البقاء وأحلام كبيرة مهددة بالتعثر

يمامة دعبول – صدى الشام مجد، أمّ لأربعة أطفال، حصلت على منحة من منظمة أورانج …

العمل خلف الأبواب الموصدة.. الاقتصاد الخفي للاجئات السوريات داخل المنازل في تركيا

هاديا المنصور في أحد أحياء مدينة شانلي أورفا التركية، يبدأ نهار حسناء الشيخ أحمد مبكراً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *