صدى الشام _ عبد الله أسعد/
تصل نسبة مساهمة الاستثمار العقاري في سورية قبل اندلاع الثورة، إلى نحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وكان الاستثمار العقاري يعتبر من أهم الاستثمارات التي توجه إليها أصحاب رؤوس الأموال، ولكن مع اندلاع الثورة، تحول هذا الاستثمار إلى استغلال للمهجرين والنازحين.
أدى اتساع رقعة المعارك الدائرة لتعرض آلاف المنازل للتهديم ما أدى إلى تغير ديموغرافي في معظم المحافظات السورية، فانتقل العديد من سكان المحافظات الساخنة إلى محافظات “آمنة”، هرباً من القصف والمعارك، وهذا أدى إلى إفراغ مدن بكاملها من سكانها وتهدم منازلها وبنيتها التحتية، وبالمقابل زاد الضغط السكاني على المحافظات “الآمنة” وأهمها دمشق، حيث يقدر عدد سكان دمشق حالياً بأكثر من 8 ملايين نسمة، ويمكن القول بأن معظم المهجرين توجهوا إلى كل من دمشق وبعض مناطق ريف دمشق واللاذقية وطرطوس والسويداء، للسكن في تلك المناطق، وتعتبر هذه المحافظات هي الأكثر ارتفاعاً بسعر العقارات، وبسعر إيجارات المنازل.
في إحصائية سريعة، يتبين أن عدد المنازل المهدمة في سورية بلغ 2.5 مليون منزل، وفق دراسة صادرة عن “الأسكوا”، منها 315 ألف منزل تعرض للدمار الكامل، مع دمار البنية التحتية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي، وتصدرت حلب المحافظات السورية بعدد المنازل المهدمة ومن ثم حمص فإدلب ثم درعا.
ومع تهدم المنازل شهدت سورية حركة نزوح كبيرة، حيث أشارت الدراسة نفسها إلى أن ما يقرب من 7 مليون شخص تأثروا بالدمار، وأنّ 3 ملايين شخص اضطروا للنزوح، وفقد مليون مواطن ممتلكاتهم بشكل كامل، وطبعاً مؤشر هذه الأرقام إلى ارتفاع مع استمرار المعارك واتساع نطاقها.
أسعار دمشق هي الأغلى .. والطلب على الأرياف
المواطنون في المناطق “الآمنة” يعانون الآمرين جراء ارتفاع أجور المنازل في حال وجدت، حيث أكد أبو حسام، أحد أصحاب المكاتب العقارية في دمشق، في تصريحه لـ”صدى الشام”، أن “نسبة إشغال العقارات المؤجرة في دمشق تعتبر 100%، فلا شقق للآجار، وفي حال وجدت فهي مرتفعة الثمن وفي مناطق راقية كالمالكي وأبو رمانة، وأجورها تصل إلى نحو مليون ونصف المليون ليرة سنوياً، وذلك حسب مساحة الشقة وكسوتها”، مشيراً إلى أن “هذا الأمر شكل معاناة كبيرة للمهجرين، الذين لا يملكون هذه الأرقام الضخمة للإيجار فتحول معظمهم للسكن في الفنادق الشعبية، وباتت الغرفة الواحدة يتشارك في آجارها أسرتين أو أكثر لتخفيف العبء المادي عليهم، ولقد شاهدنا خلال السنوات الماضية ما حدث في حدائق دمشق من افتراش للأسر لتلك الحدائق وبناء خيم والسكن فيها لعدم قدرتهم على الاستئجار وعدم وفرة المنازل”.
وأضاف: “توجه المهجرون أيضاً للسكن في الأرياف، ونشهد طلباً على الإيجار في مناطق جرمانا وفي ضاحية قدسيا وفي مناطق القلمون الآمنة. إيجار العقارات هناك يبدأ من 15 ألف ليرة شهرياً ويصل إلى 50 ألف ليرة بأحسن الأحوال”.
وعن أسعار العقارات، لفت أبو حسام إلى أن “أغلى المحافظات حالياً في أسعار العقارات هي دمشق، فسعر الشقة 100 متر مربع بالمالكي يصل إلى 120 مليون ليرة”، مؤكدا أن دمشق تحوي على الكثير من البيوت الفارغة وخاصة بعد حركة الهجرة الأخيرة، وهي غير مستثمرة. أما في ريف دمشق فيصل “سعر المتر المربع المكسي إلى نحو 200 ألف ليرة، وذلك حسب الكسوة والمنطقة، فشقة مساحتها 90 مترا مربعا يصل سعرها إلى نحو 4 ملايين ليرة، أما في المحافظات الساحلية فالأسعار سياحية أيضاً، ففي حال أردت أن تستأجر شاليه فسيكلفك نحو 70 ألف ليرة في ثلاثة أيام فقط، وفي حال أردت استئجار منزل إن استطعت فأجره لا يقل عن 30 ألف ليرة شهرياً”.
معجزة المواطن السوري
باحث في الشؤون العقارية طلب عدم الكشف عن اسمه، لفت في تصريحه لـ”صدى الشام”، أن “المواطن السوري حالياً يعاني من ارتفاع الأسعار وأجور النقل والخدمات مع ارتفاع سعر الصرف وتقهقر الدخل. كلها عوامل زادت من معاناة المواطن، وزاد معاناته جنون إيجار المنازل وأسعارها، فأجور السكن في مناطق السكن العشوائي ذات الخدمات السيئة جداً تصل إلى 12 ألف ليرة شهرياً، ومن المعلوم أن راتب موظف الفئة الأولى هو 30 ألف ليرة، أي أنه سيضع نصف راتبه أجرة شقة، والباقي سيقسمه على أجور المواصلات والطعام والكساء والتعليم والمرض والاتصالات والفواتير. أي أن دخله 30 ألفاً وينفق شهرياً بحدود 180 ألف ليرة!!”.
وقال الباحث أن “التدخل الضعيف من قبل حكومة النظام في سوق العقارات على مر السنوات السابقة وإلى الآن كان مسبباً أساسياً في ارتفاع أسعار المنازل وإيجاراتها. فالسكن الشبابي الذي أعلن عنه منذ عشر سنوات لم ينفذ إلى الآن إلا بنسب ضئيلة جداً، والجمعيات السكنية يتفشى فيها الفساد، كما شهدت سورية حركة مخالفات ضخمة جداً مع بداية الثورة، حيث استغل أصحاب رؤوس الأموال الفلتان في القوانين وغياب السلطة في تنفيذ مخالفات سكنية أدت إلى بناء آلاف المنازل في المحافظات، وتم استثمارها حالياً وتأجيرها وبيعها. فأجار شقة خالية من الفرش في ضواحي دمشق يصل إلى 70 ألف ليرة شهرياً، وفي المزة بلغ إيجار الشقة نحو 100 ألف ليرة شهرياً”.
استغلال
نوه الباحث إلى أن “قصور القوانين الناظمة لقطاع العقارات أدى لتفاقم معاناة المواطنين المهجرين فلا مفر للمستأجر إلا أن يوافق على الأجر الذي يفرضه المؤجر عليه بعد وقوعه في المصيدة، وإلا فالشارع سيكون منزله، إلى أن يجد منزلاً بديلاً. وعملية البحث عن منزل في ظل الظروف الراهنة يعتبر ضرباً من المستحيل، فأجور المنازل مرتفعة كثيراً مقارنة مع الدخل، ولا يوجد منازل فارغة ومعروضة للإيجار، وهذا ما دفع بالمؤجرين أن يفرضوا على المستأجرين الأسعار التي تناسبهم، وعلى المستأجر أن يدفع إيجار 6 أشهر وفق العقد الموقع، أي يحتاج لسيولة ليدفع هذا المبلغ وهو لا يملكها لأنه لا يملك قوت يومه، ودخله متآكل، وأيضاً مدخراته، فالمهجر خرج من منطقته الساخنة لا يحمل إلا ملابسه وبقايا مدخراته، وبالطبع الظرف الاقتصادي الصعب التهم المدخرات، ومعظم المواطنين يعيشون حالياً على المعونات الغذائية وعلى الديون، وبعد انتهاء العقد يرفع المؤجر الإيجار مجدداً بحدود 20%، وإلا فعلى المستأجر أن يخرج من المنزل”.
وبين الباحث، أن “مؤسسة الإيجار ظهرت في المجتمع العقاري، نتيجة تبدل الأوضاع العقارية وتقسيم الخريطة العقارية إلى مناطق آمنة ومتوترة، وحالة النزوح الهائلة التي جرت من المناطق المتوترة للآمنة، ما أدى للطلب الهائل على العقارات في المناطق “الآمنة” لغاية الاستثمار بشكل مؤقت أو توقف عملية البيع والشراء، ما أدى لتغير النظرة للعقار وأصبح مالكو العقارات يقبلون بفكرة التأجير بسبب ارتفاع الإيجارات، ما حوّل الإيجار إلى استثمار مقبول للمالكين بنسبة بلغت 80% للاستثمار الإيجاري في العقارات”.
وأكد أنه “لا يمكن السيطرة على موضوع بدل الإيجار العقاري باعتباره يخضع لقانون العرض والطلب وأن العقد شريطة المتعاقدين، كما أن المالك للعقار هو المتحكم”، لافتاً إلى أن هناك جمود كبير في حركة البيع والشراء في السوق العقارية، في حين تشهد عمليات التأجير ارتفاعات شاهقة وكبيرة في الأسعار.
ارتفاع أسعار مستلزمات البناء والإكساء
بالمقابل لفت مقاول يعمل في دمشق، في تصريح لـ”صدى الشام”، أن ارتفاع أسعار مواد البناء كان سبباً رئيسياً في ارتفاع أسعار العقارات، مشيراً إلى أن “أسعار العقارات تحدده مجموعة شروط، أولها منطقة العقار “أرض العقار” وكلفة بنائه والخدمات المتوفرة حوله، ومساحته والإكساء الخاص به. ومع ارتفاع أسعار الإسمنت والحديد والأدوات الصحية والخشب والألمنيوم وكل المستلزمات الأخرى الخاصة بالبناء والإكساء بات سعر الشقة يكلف الكثير ويتجاوز قدرة المواطنين. فحكومة النظام رفعت أسعار الإسمنت مرتين خلال العام الحالي بحجة إيقاف تهريبه إلى لبنان، وهذا أثر كثيراً على عمليات البناء، والأغرب من ذلك فإنهم ينادون بإعادة الإعمار، فكيف للشركات أن تقبل على إعادة الإعمار في ظل هذه الأسعار والقوانين الرديئة الناظمة للاستثمار العقاري، وخاصة قانون العقود رقم 51″.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث