حنين عتيق
ها أنا ذا أطبق خلفي الباب، وأمضي تاركة عمرا كاملا مشنوقا في كل زاوية،
ومعلقا على كل صورة معلقة على جدار، ها أنا ذا أقفل كل أبواب بيتي، وأضع المفاتيح
في صدري كي أقنع الزمن أني لن أتأخر في العودة إليه، فالبيوت كالأطفال تحتاج أهلها
كثيرا وتبرد حين يرحلون.
لا أعرف كيف لملمت ما استطعت من أوراق تثبت أني زوجة لذلك الرجل الذي
تركته هناك في أحد الأقبية تحت الأرض، والحياة تموت الآن بجانبه تحت التعذيب، وأني
أم لهؤلاء الأطفال الذين يرحلون معي الآن، يرحلون ولا يستطيعون أن يفهموا، فقط
يكبرون دون أن يمروا مرة ثانية بالطفولة. صوت زوجي لم يزل نابضا في داخلي؛ صوته
حين داهم رجال الأمن منزلنا عند الفجر ليدخلوه عنوة كزوبعة من رمل تدخل العيون،
داسوا على كل ما في طريقهم حتى أطفالي النائمين على الأرض لم يسلموا منهم، اقتادوه
وأخذوا يضربونه أمام صراخ الأطفال وذعرهم، لم يسلم شبر من جسده، مثلما لم تسلم
قطعة من روحي من الضرب والوجع. كان صوت ارتطام عصيهم فيه، وارتطام شتائمهم بجدران
الغرفة يختلط بأنينه وبصراخي وتوسلاتي التي لم تنفع سوى أني أخذت نصيبي من عصا
أحدهم، وليكمل الآخر مهرجانه في جسد ابني الأكبر.
أخذوا زوجي ومضوا، كانت روحي الممزقة تصرخ وراءهم بلا صوت، أحسست حينها
أن زلزالا هدم حجارة عمري فوق رأسي. أما اليوم، فرحيلي هذا هو زلزال جديد بمقياس
أعلى، يكمل على ما بقي مني واقفا. “خذي الأولاد واهربي” كان هذا آخر ما
سمعته منه منذ أكثر من ستة أشهر، لكني كنت أرفض مجرد الفكرة، وكنت أثق أنه سيعود
قريبا، وأن صوت الآلاف في الساحات لا بد أن يصل آذان السماء وننتصر. فلحت أرضي وزرعتها،
وكل من حولي في القرية يقولون لي: “مجنونة أنت يا امرأة، لمن تزرعين؟”،
لكنها أرضي، وفيها وضعتني أمي وسط تهليل النسوة. كبرت مع طفولتي، وكل حجر فيها
يعرفني، كل وجه هو وطني. لو كان للطريق التي أسير عليها الآن فما لروت أسراري فيها؛
التقيت أول مرة بزوجي الذي عشقت، ولم يزل الهواء يردد أهازيج عرسنا. أما ذاك البيت
الذي غاب عن نظري الآن، والذي عمرته بالحب والدعاء والأحلام، فقد كان جنتي على
الأرض. كنت كلما أزهرت وردة في الحديقة الصغيرة قرب بابي أزهرت روحي من جديد،
وكلما لوح عنقود عنب في عريشة الدار تلون عمري، كيف يمكن أن أكمل حياتي بدونه، لا
أصدق أني أرحل لولا تلك الطائرات التي حولت منزل أخي إلى ركام معجون ببقايا أجساد
أولاده، لولا تلك الطائرات الوحوش لما رحلت.
أمضي ولا أعرف إلى أين، ولا أعرف كيف يمكن أن أحمل معي أول صرخة لطفلي
البكر التي علقت على جدران تلك الغرفة، أمضي وهذه الشمس الوقحة التي كانت صديقتي تشوينا
الآن، أحمل ابنتي التي بدأت تصرخ، أمسك بيد ابني الأصغر، وأطلب من ولدي الثالث
التمسك بثوبي. الطريق بدأت تصبح وعرة، ولا بد أن نمر بذاك التل البعيد كي نعبر إلى
أول أراضي الأردن دون أن يمسك بنا نظامنا هذا بمخالبه الطويلة. أمضي وأتحسس
المفاتيح في صدري، لا بد أن أعود قريبا. أسابيع قليلة ويأتي وقت الحصاد، يجب أن
أحصد، فالأرض تغضب إن لم نلبي نداءها. يصرخ ابني أنه جائع، وهو يحب المكدوس، يجب
أن أعود قريبا، فالمكدوس يحتاج دائما أن نضيف له الزيت. “يما عطشان”
يصرخ ابني الأكبر، يجب ألا أتأخر، لن تصمد الورود كثيرا بلا ماء. الشمس تزداد
وقاحة والقرية صارت الآن بعيدة، ابني يريد شايا، زوجي أيضا كان يحب الشاي مع النعناع.
يجب ألا أتأخر، يجب أن أكون في البيت حين يعود فهو لا يحب أبدا أن يأتي ولا يجدني.
“أسرعي يا امرأة” ينده عليّ الرجل المسلح الذي يحمي طريقنا. نصل النقطة
الحدودية، لكن قلبي يصبح ثقيلا وكأني لم أعد أستطيع حمله في جسدي، ابنتي تريد
دميتها وابني المتفوق يريد أن يكمل وظيفته، وأنا يجب أن أعود بسرعة، يجب ألا
أتأخر.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث