يواجه سكان منطقة المزة بساتين
وكفرسوسة خطراً داهماً يهدد وجودهم وتاريخهم على أرضهم. هذه المرة ليس بسبب الحرب،
وإنما بسبب قرار حكومة النظام البدء بتنفيذ المرسوم (66) لعام 2012، والذي اصطلح
أهالي دمشق على تسميته بـ “مرسوم التنظيم”.
زينة اسماعيل
رغم تصاعد وتيرة القصف والمواجهات
العسكرية في مناطق عدة من البلاد، وهو
ما أدى لدمار كبير في البنى التحتية (قدرت الأمم المتحدة تكلفة
عملية إعادة الإعمار والتنمية في سورية بين 165 و200 مليار دولار)، لم يتوان
النظام عن البدء بتنفيذ المرسوم الذيحدد نصه مرحلتين لتنظيم ما يعادل 10% من مساحة العاصمة؛ المرحلة الأولى تشمل
تنظيم منطقة شرقي المزة، التي تشمل المناطق الواقعة شمالي المتحلق الجنوبي في
المزة وكفرسوسة على مساحة 214 هكتاراً، أما المرحلة الثانية فتشمل مناطق جنوبي
المتحلق في المزة وكفرسوسة وقنوات بساتين وداريا والقدم، والتي تقارب مساحتها 880
هكتاراً.
أزمة دمشق السكانية تتفاقم
وفي ظل الشكوك التي تراود السوريين حول مصداقية
النظام في تنفيذ المشروع خلال الوقت الذي حدده، وهو من 4 إلى 5 سنوات، وعدالة
التعويض الذي سيعطى لهم خلال هذه الفترة، يواجه سكان هذه المنطقة خطر التشرد والفقر
بعد خسارة بيوتهم. كل هذا يأتي في ظل أزمة سكانية تعاني منها العاصمة بوجود أكثر
من 600 ألف مهجر، منهم من يفترش الأرض والمباني غير مكتملة البناء. يؤكد “أبو
صالح”، وهو صاحب أحد المنازل المشمولة في منطقة التنظيم، على هذه المخاوف قائلاً:
“أسكن في هذا المنزل منذ ثلاثين سنة مع أبنائي وأحفادي، ولا ندري أين سنذهب،
فدمشق تغص بالناس الذين نزحوا إليها من ريف دمشق ومن باقي المحافظات، ومعظم
الضواحي التي كانت تأوي الفقراء، هي ساحات قتال اليوم”. ويضيف: “يقولون
إن الدولة ستعوضنا بمبلغ 25 ألفا، في حين أن إيجار المنزل في دمشق أو ضواحيها لا
يقل عن 50 ألف ليرة، فأين سنجد منزلاً يأوي ثلاث عائلات بهذا المبلغ الزهيد؟”.
بدلا من أن يؤمن النظام سكناً
للمهجرين الذين تغص دمشق بهم، يخلق مشكلة سكنية أكبر بإخلاء مئات العائلات الآمنة
من بيوتهم، لإنشاء أبراج سكنية تقدر ميزانيتها بـ 14 مليار ليرة سورية
من جهته، كان محافظ دمشق بشر الصبان، قد
أكد في تصريح له خلال برنامج حواري عرضه التلفزيون الرسمي، أن “أهم ميزات
المرسوم 66 الخاص بمشروع التنظيم، هو تحقيق العدالة الاجتماعية”، وأنه “سيكون
مشروعاً حضارياً بامتياز”. ورداً على ذلك، يتساءل أحد الناشطين في دمشق
قائلاً: “أي عدالة اجتماعية يتحدث عنها محافظ دمشق بمشروع بناء، وفي ظروف حرب
هي الأشد على سوريا منذ عقود، فبدلا من أن يؤمن النظام سكناً للمهجرين الذين تغص
دمشق بهم، يخلق مشكلة سكنية أكبر بإخلاء مئات العائلات الآمنة من بيوتهم، لإنشاء
أبراج سكنية تقدر ميزانيتها بـ 14 مليار ليرة سورية، في ظل ظروف لم تشهدها البلاد
منذ أكثر من مئة عام!”. ويتابع ساخراً: “هذا النظام يتبجح بمشاريعه
الحضارية في وقت يعجز فيه عن تأمين المياه والكهرباء لدمشق، وأبسط متطلبات الحياة
للسوريين. وهو لا يكترث بنتائج اقتلاع كتلة سكانية كبيرة من جذورها وتهجيرها. كيف
لا وقد قام بتهجير ملايين السوريين داخل وخارج سوريا تحت المسمى الهزيل المدعو بـ
(محاربة المسلحين والإرهاب)”.
إعادة إعمار أم تغيير
ديموغرافي؟!
ومع القرار ببدء تنفيذ هذا المشروع في
توقيت غريب، ذهبت بعض الآراء إلى أن الهدف منه ليس مجرد تنظيم عمراني، بل إن
المشروع الذي تهدف إليه حكومة النظام حقيقة هو مشروع تغيير ديموغرافي في هذه
المناطق. حيث أكد أحد الحقوقيين في العاصمة أن “لهذه المنطقة أهمية جغرافية
خاصة، ويعمد النظام إلى إفراغها من سكانها الذين عُرفوا بمعارضتهم له ومشاركتهم
بالثورة منذ البداية، ليقطنها أناس موالون له، ويتم تأمينها، ويتحرك فيها بحرية،
بعدما فقد السيطرة على معظم البلاد”، حسب تعبيره. ويتابع: “من يقنع
أهالي المزة اليوم أن النظام سيفي بالتزاماته تجاههم، وهو الذي قتل العشرات منهم
تحت التعذيب، فقط لأنهم خالفوه بالرأي“.
إن هدف النظام من هذا المشروع
حقيقة هو التغيير الديموغرافي في المناطق التي يسكنها معارضون له، بحجة تنفيذ
“مرسوم التنظيم”
وفي السياق، يتساءل ناشط آخر: “لماذا
يتم بناء تنظيم مناطق المزة وكفرسوسة، بعد تشريد أهلها، وفي الجهة المقابلة تقع المزة
86 في مسافة لا تبعد عنها سوى مئات الأمتار، وهي تعتبر من أكبر العشوائيات في
سوريا، ولا يشملها أي مشروع”. ويتابع: “مشروع النظام واضح، فالمزة 86
يقطن فيها مناصرو النظام وعائلات جنده الذين يقاتلون لأجله، بينما يتم استباحة
أراضي المزة وكفرسوسة التي يقطنها أناس شاركوا في الانتفاضة التي خرجت ضد النظام
في 2011. والنظام يستغل الظروف الراهنة لتنفيذ مشروعه، فالبلد أصبح غابة من
السلاح، ومنطق القوة هو الذي له الغلبة“.
تجدر الإشارة إلى أن منطقة المزة من أهم
أحياء دمشق لعوامل عدة؛ فهي تحاذي “قصر الشعب” قرب المطار العسكري،
والذي يتضمن أحد أهم مراكز المخابرات الجوية، كما يقع مجلس الوزراء ووزارات
الخارجية والإعلام والعدل والتعليم العالي على أطرافها، وإلى جانبها أحد أهم
مربعات النظام الأمنية في العاصمة.
وسط هذا كله، يبقى السؤال: ماذا تبقى
لسكان المدينة من انتماء، وهم ينظرون إلى بيوتهم وقد هدمت، وبساتينهم التي تؤمن
قوت عيشهم وقد استبيحت، وإلى مدينتهم التي عاثت بها يد النظام الهادفة إلى تغيير
وجهها وتاريخها.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث