الرئيسية / تحقيقات / انهيار الليرة السورية … فشل السياسة الاقتصادية للنظام

انهيار الليرة السورية … فشل السياسة الاقتصادية للنظام

مع بداية الثورة السورية، وإنفاق النظام مليارات الليرات
السورية لقمعها، انخفضت قيمة الليرة السورية بشكل رهيب، وشُّل الاقتصاد السوري
نتيجة لسياسات الأسد التي لخصها مناصروه، بـ (الأسد أو نحرق البلد). وفي العام
الخامس للثورة، بدا واضحا انهيار الاقتصاد السوري، متمثلا بعدة أوجه أبرزها سقوط
الليرة المدوّي أمام الدولار، ما جعل النظام يلجأ للكثير من السياسات الاقتصادية
التي قد تظهره على أنه الحامي الأول للاقتصاد السوري، لكن حلوله الاقتصادية أثبتت
فشلها، كغيرها من الاستراتيجيات التي اتّبعها.

دمشق-عمر الفاروق

حين يلملم مدخراته ويجمعها، يتمتم بعبارات يدعو فيها الخالق ألا يكون سعر
صرف الدولار مرتفعاً، حتى لا يضيع ما فقد من أمل وأموال، فالعشرة ملايين ليرة سورية،
هي ما تبقى له من مهنته، ويريد تحويلها للدولار، بعد أن فقدت أغلب قيمتها نتيجة فقدان
قيمة العملة في بلاده، بسبب السياسات الاقتصادية لحكومة الأسد.

هو الخياط محمد علي، والذي أضاع 75% من مدخراته، حين أصبح سعر الدولار بحدود
200 ليرة سورية في 2013، وتمنى لو أنه سمع نصيحة أحد خبراء الاقتصاد بتحويل أمواله
مع بداية الثورة للدولار، حيث كان سعره آنذاك 60 ليرة سورية، لكنه بقي متأملاً من تصريحات
المسؤولين، ومنهم حاكم “مصرف سورية المركزي” أديب ميالة، والذي كان دائماً
يطمئن السوريين أن “العملة بخير”، كما قال قائده “سورية بخير”؟!

لن يستطيع السوريون اليوم، التفاخر بعملتهم بين الأمم، بعد أن أصابتها في
سورية سهام التراجع، وخانتها السياسات الاقتصادية الفاشلة لـ”البنك المركزي”
وحكومة الأسد، رغم كل التصريحات في بداية الثورة. ومن هنا، تحاول “صدى الشام”
عبر سطورها التالية، التعرف على الأسباب التي أدت لفقدان العملة السورية 80% من قيمتها،
وكيف عوضت حكومة الأسد فقدان القطع الأجنبي في سورية، ودور الميزان التجاري في ضعف
قيمة العملة، وما الحلول التي لجأ لها المواطن في هذا الارتفاع، إضافة لسياسة
“البنك المركزي” وأبرز ما فعله للعملة السورية، وكيف تأقلم المواطن مع الواقع
المعيشي في سورية.

أوّل الزلازل

لن يغيب عن ذاكرة السوريين، اللحظة التي فقدوا خلالها نصف مدخراتهم، كان يوماً
بارداً على الأجساد، حارقاً للجيوب، مرهقاً للعقول. تحكي تفاصيل ذلك اليوم قصة البركان
الذي تبعه براكين، والزلزال المتبوع بزلازل، والارتفاع الذي لم يشهد بعده انخفاض، إلا
في حالات نادرة، إنها اللحظة التي ضاعت فيها “نصف مدّخرات السوريين، فأصبحت هباءً
منثوراً”.

السابع من آذار 2012، ارتفع الدولار مقابل الليرة السورية، متجاوزاً ضعفها،
أي نحو 100 ليرة سورية، ولم تتوقف فصول السيرة الهلالية لليرة السورية عند ذلك
اليوم، فالآن خسرت 80% من قيمتها، وبلغ سعر الدولار 300 ليرة سورية. وعليه يعقب الاقتصادي
رسلان أحمد خضور، قائلاً: “الليرة السورية لم تعد تشكل سوى 20% من قيمتها، مقابل
الدولار”، منوهاً أن الكثيرين ممن بقيت مدخراتهم بالعملة السورية، لم يفهموا اللعبة
الاقتصادية خلال 2012، فحاول البعض أن يتغاضى عن حقيقة مهمة هي أن أي ارتفاع في العملة
السورية لن يأتي بعده انخفاض، إلا في حالات محدودة، تجري بعلم “المصرف المركزي”،
والتي كانت الغاية منها استفادة تجار السوق السوداء المواليين لنظام الأسد. مؤكداً
أن الضرر الأعظم للعملة السورية حصل حينها، فكانت الهزة الأولى لها، وكانت هي الأقوى،
ثم تلتها هزات ارتدادية، لكنها ليست بقوة الصدمة الأولى، فقد فقدت العملة السورية قوتها،
ولن تعود كما كانت، إلا في مسلسلات الدراما السورية..!

شهد آذار 2012 أكبر انتكاسة لليرة السورية أمام
الدولار عندما بلغ سعر الأخير 100 ليرة، والآن بلغت قيمة الدولار 300 ليرة، أي
خسرت الليرة 80% من قيمتها.
أسباب السقوط

تؤكد المؤشرات الاقتصادية، أن انخفاض قيمة العملة في المناطق التي يسيطر عليها
نظام الأسد يعود لأسباب عدة، منها ضعف الصادرات وزيادة الواردات، وهو ما أثر على القطع
الأجنبي، إذ أن المستوردات تحتاج لكمية كبيرة من القطع أجنبي، وهذا ما يلاحظ من خلال
بيانات “مديرية الجمارك”، والتي بينت عن عجز الميزان التجاري في سورية خلال
الأشهر الستة الأولى من 2015، وذلك بعد تجاوز قيمة صادرات سورية 67.7 مليار ليرة، خلال
2015، مقابل مستوردات بقيمة 908.3 مليارات ليرة سورية. وعليه فقد بلغ عجز الميزان التجاري
840.4 مليار ليرة سورية، وعليه أيضا فإن الصادرات السورية البالغة 67.7 مليار ليرة
في ستة أشهر لا تغطي أكثر من 7.45% من المستوردات البالغة 908.3 مليارات ليرة، رغم
كل التصريحات الكاذبة عن تطور الصادرات وزيادتها في العام الجاري.

وتعقيباً على ذلك، تحدث المحلل الاقتصادي إيهاب عبيد قائلا: “هذه الإحصائيات
تؤكد تزايد الطلب على الدولار، وهذا يضعف قيمة الليرة السورية”. ولكنه يضيف أن
هناك عوامل أخرى، فيقول: “من العوامل الأخرى المسببة لانهيار الليرة فقدان نظام
الأسد لـ 95% من حقول النفط لصالح داعش، وهو ما أفقده القطع الأجنبي، بعد خسارة تصدير
10 ألاف برميل، بسعر 13 مليون دولار يومياً”. أما العامل الأهم، برأي أحد الموظفين
في “البنك المركزي”، والذي رفض الكشف عن اسمه، فيعود إلى “أن الميزانية
السورية تعتمد في الدخل على 60% تأتي كضرائب داخلية من الشعب، وقد توقف المواطن عن
دفع الضرائب بسبب اندلاع الثورة. يضاف إلى ذلك غياب السياحة التي تشكل 15% من ميزانية
النظام، ومع غيابها ضاعت ثمانية مليارات دولار سنوياً، دون إغفال العقوبات التي طالت
“مصرف سورية المركزي”، وتضمنت تجميد أصوله المالية لدى دول الاتحاد الأوروبي،
وحرمانه من بيع أو شراء المعادن الثمينة، إضافة لمنعه من نقلها أو تصديرها أو استيرادها”.

فقدان نظام الأسد لـ 95% من حقول النفط لصالح تنظيم “الدولة الإسلامية”،
وخسارة تصدير 10 ألاف برميل يومياً، أضاع عليه 13 مليون دولار يومياً”

نتائج مخيبة وحلول غير مجدية

بدأت رياح العقوبات الاقتصادية، وانخفاض قيمة العملة السورية، تلقي بثقلها على ظهر
الجسد الاقتصادي السوري بقوة خلال العام الثاني للثورة، ومرد ذلك بحسب “المركز
السوري لبحوث السياسات”، هروب التجار ورؤوس أموالهم، وتحويل غالبية السوريين عملتهم
المحلية للدولار، وارتفاع البطالة، وتدمير المنشآت وتوقفها إنتاجها. وهذا ما فرض فاتورة
مرهقة على موازنة حكومة الأسد الابن، إذ أن سجل النمو في البلاد كان سلبيا بنسبة
22% في 2013. ومن هنا يقول عمر الحلبي: “لو كان الأزمة في سورية اقتصادية، لانهارت
العملة بشكل تدريجي، لكن المعضلة أنها عسكرية، فنظام الأسد يدفع ملايين الليرات يومياً،
كرواتب للجيش والشبيحة والأمن، إضافة لمصاريف الوقود للدبابات والطائرات، وهذا ما
يخلق تكاليف إضافية على حكومة الأسد”.

بعد أن كانت حكومة النظام تتحدّث في بداية الثورة عن قوة الاقتصاد السوري
وقدرته على الصمود، قدّرت الاحتياطي من العملات الصعبة لدى البنك المركزي السوري بـ
18 مليار دولار، لكن استمرار الأزمة ولجوء المواطنين إلى البحث عن ملاذ آمن لأموالهم
مع انخفاض قيمة الليرة السورية بحوالي 80% مقارنة بالدولار الأميركي، اضطر المركزي
السوري إلى التدخل بضخّ العملات الأجنبية في الأسواق، وبيعها للمواطنين، لمحاولة التخفيف
من الضغط على الليرة، ولكي يظهر النظام بمظهر الرجل الشجاع القادر على مواجهة الصعوبات،
في وقت استمر فيه الانخفاض بشكل متدرج ومنتظم. لكن ما خفض من وتيرة الانهيار هو سبع
اتفاقيات اقتصادية جديدة لنظام الأسد مع إيران، من بينها منح قروض للنظام. وقد أكد
خبراء حينها أن هذه الاتفاقيات تعزز النفوذ الإيراني في سورية. يضاف إلى ذلك قروض من
حليفه الروسي لم يتم الاعلان عن قيمتها الحقيقية، وقد ساهم ذلك في صمود العملة نوعاً
ما في بعض الفترات.

حاول النظام السوري تدارك الأمر، للحفاظ على ما تبقى من قيمة للعملة السورية،
لذلك أصدر رئيسه بشار الأسد مرسوماً تشريعياً، في الشهر الثامن لعام 2013، يمنع التداولات
التجارية بغير الليرة السورية، إذ نص المرسوم على منع التعامل بغير الليرة السورية
كوسيلة للمدفوعات، أو لأي نوع من أنواع التداول التجاري أو التسديدات النقدية، سواء
كان ذلك بالقطع الأجنبي أو بالمعادن الثمينة. كما نص أيضاً على أنه لا يجوز، بغير موافقة
“مجلس الوزراء”، عرض السلع والمنتجات والخدمات وغيرها من التعاملات التجارية
بغير الليرة السورية.

وبحسب المرسوم، يعاقب من يخالف هذا بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، وبغرامة
مالية تعادل مثلي قيمة المدفوعات، أو المبلغ المتعامل به أو المسدد أو الخدمات أو السلع
المعروضة، على ألا تقل عن مائة ألف ليرة سورية، أو بإحدى هاتين العقوبتين. كما يقضى
المرسوم بمصادرة المدفوعات أو المبالغ المتعامل بها أو المعادن الثمينة لصالح
“مصرف سورية المركزي”.

وحاولت حكومة الأسد أيضاً، إصدار قرارات عديدة، بدأت بخفض الموازنة العامة،
واتّجهت إلى تفاصيل دقيقة في توفير واقتصاد النفقات، منها خفض استخدام السيارات الحكومية،
وتقليص حصتها الشهرية من الوقود، وصولاً إلى حملات إعلامية لترشيد الطاقة، وحتى ترشيد
استخدام الورق في المؤسسات الحكومية عبر قرار يفرض استخدام الورق من الجانبين.

ما خفض من وتيرة الانهيار هو حدوث 7 اتفاقيات اقتصادية لنظام
الأسد مع إيران، بالإضافة إلى قروض من روسيا لم يتم الإعلان عن قيمتها الحقيقية.

تنمية بشرية منخفضة

كشف المركز السوري لبحوث السياسات، في تقريره الأول الصادر في نهاية العام
2012، أنّ الحكومة السورية قامت بخفض الإنفاق الاستثماري، ما أثّر على مستوى النمو
وخلق فرص العمل، كما انخفضت العائدات الحكومية جراء ذلك. إضافة إلى إصدار بعض القرارات
الحكومية التي ساهمت في ارتياب قطاع الأعمال، وشجعته على نقل أمواله، واستثماراته إلى
الخارج.

عمل مصرف سورية المركزي على تقليص تمويل المستوردات، والتي كانت تحوز حصة
لا تقلّ عن 5 ملايين دولار يومياً، وطلب من التجار تمويل مستورداتهم بأنفسهم، والبحث
عن طرق وصفها رئيس اتحاد غرف التجارة السورية بأنها طريقة “دَبِّر راسك”.

تبيّن دراسة “المركز السوري لبحوث السياسات”، المنشورة في آذار
2015، أنّ الأحداث في سورية أدّت إلى تراجع الاستثمار الحكومي والخاص بنسبة 90% من
الناتج المحلي تقريباً، كما تزامن هذا التراجع مع ارتفاع في النفقات العسكرية الحكومية
من خارج الموازنة إلى 13% من الناتج المحلي للعام 2014.

ومع انخفاض قيمة العملة في سورية وخسارتها 80% من قيمتها، سجّلت درجات التنمية
البشرية في سورية، تراجعاً بأربعة عقود إلى الخلف، بحسب ما أكده تقرير بعنوان
“سورية هدر الإنسانية”، أصدره “المركز السوري لبحوث السياسات”.
بيّن التقرير أن دليل التنمية البشرية سجل انخفاضا بنحو 0.472 مع نهاية 2013، مقارنة
بـ 0.646 خلال 2010. وأكد التقرير أن سورية أصبحت ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية
المنخفضة خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، بينما كانت ضمن الدول ذات التنمية البشرية
المتوسطة قبل 2010. وقال التقرير: “شمل التراجع بشكل رئيسي ثلاثة قطاعات، هي الدخل
والتعليم والصحة”. واعتبر التقرير أنّ معدل الفقر وصل إلى 82.5% مع نهاية
2014.

الموظف الحكومي أكبر الخاسرين

تفيد إحصائيات غير رسمية، أن العائلة المؤلفة من 5 أشخاص في سورية، تحتاج
دخلاً بنحو 150 ألف ليرة سورية، أي (500) دولار شهرياً لتغطية حاجياتها الأساسية. يأتي
ذلك أمام لهيب الأسعار وارتفاع قيمة الدولار، وتخفيف الدعم عن المواد الأساسية، والارتفاع
الكبير في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية وخاصة المستوردة منها، والتي لا تخضع
لسيطرة النظام، كالخضار بأنواعها ومنتجات الدواجن واللحوم.

وبحسب الموظف الحكومي موفق الأسعد، فإن “الفئات الفقيرة وأصحاب الدخل
المحدود، والتي يبلغ دخلها الشهري أقل من 50 ألف ليرة، مجبرون على التخلي عن مواد غذائية
عدة، مجابهة للنفقات المعيشية الأخرى من صحة وتعليم ونقل. ويصل بهم الأمر للاستغناء
عن وجبة غذائية كي يوفروا أخرى تفتقد لأبسط مواصفات (الأكلة المغذية)”. وافقه
في ذلك أبو عمر، الموظف في إحدى الجهات الحكومية، والذي يضطر للعمل في جلي البلاط بعد
انتهاء وظيفته لتأمين لقمة عيش أسرته المؤلفة من 4 أشخاص. ويبقى الموظف الخاسر الأكبر
من ارتفاع قيمة الدولار، لأن زيادة واحدة في الراتب خلال 2012 كانت قد شملته خلال الثورة،
يضاف إلى ذلك توقف الحوافز والراتب الإضافي في غالبية المؤسسات الحكومية، وعدم توافر
فرص العمل، باستثناء التطوع في الجيش أو ميليشيات النظام. أما باقي المهن فمنها من
زادت أجورها التشغيلية لتنسجم مع ارتفاع الأسعار، فلم تتأثر كما تأثر الموظف الحكومي.

العائلة المؤلفة من 5 أشخاص تحتاج إلى نحو 150 ألف ليرة سورية
شهريا، وهو ما يعادل 500 دولار، لتغطية حاجياتها الأساسية، والموظف الحكومي هو أكبر
المتضررين
.

شاهد أيضاً

تنوع الجزيرة السورية الحضاري يضفي طابعا خاصا على احتفالات عيد الأضحى

  القامشلي – سلام حسن خاص لموقع صدى الشام: في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، …

أوراق باندورا: جزر العذراء البريطانية مخبأ شركات “ممول للنظام السوري”

في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، بينما تحتشد الجهود للوصول لتسوية بين طرفي النزاع السوري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *