الرئيسية / رأي / عمالة جيدة وعمالة خبيثة

عمالة جيدة وعمالة خبيثة

عبد
القادر عبد اللي

من
أكثر النكات إيلاماً عندما تتهم جماعة ما تقاتل النظام، جماعة أخرى تقاتل النظام
أيضاً بالعمالة للولايات المتحدة، كمبرر لترك قتال النظام، وشن هجوم عليها.

كانت
التهمة الرائجة بين الجماعات المقاتلة في البداية من أجل التصفيات (الجهادية/الثورية)
الداخلية هي “السرقة” و”الفساد”، ولكن يبدو أن السرقة والفساد
باتت أمراً طبيعياً جداً، بل وواجباً، لذلك لم يعد هناك ضرورة لاستخدام هذه
الاصطلاحات.

وفي
الحقيقة أن تهمة العمالة أيضاً لا تختلف عن تهمة السرقة والفساد. فكروا معي؟ هل
هناك فصيل واحد يمكن أن يعيش بمقدرات ذاتية؟ إذا كانت الدول لا تستطيع أن تفعل
هذا، فهل يمكن لمجموعة من الأشخاص -مهما كان انتماؤهم العقائدي- أن يفعلوا هذا؟ إن
كوريا الشمالية مفتوحة على واحدة من الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس
الأمن (الصين)، وهي بالكاد تعيش لأنها معزولة عالمياً، فهل يمكن لمجموعة مسلحة
مهما كان اسم هذه المجموعة، ومهما كان الكتاب الذي تدعي أنها تستند إليه، أن تعيش
بمعزل عن العالم؟

سأكون
صريحاً، هل يمكن استمرار أي مجموعة مسلحة، وخوضها أي معركة ضد النظام أو ضد من
تسميهم بأسماء أخرى (عملاء للأمريكان، عملاء للنظام، صحوات، متشددون دينياً،
مرتدون، منحرفون…) دون الذخيرة القادمة من الخارج (لا أقول السلاح، لأن في هذا
الأمر ثمة مخاتلات)؟ أو لنكن صرحاء أكثر، هل هناك مجموعة في الشمال مهما كان اسمها،
لا تأخذ إمدادات من تركيا أو عبرها؟ من سيجيب بـ “نعم” ستنطبق عليه
مقولة النظام عندما يعلن بأن نتائج الاستفتاء التي أجراها للزعيم كان 99,999%،
يعرف أنه يكذب، ويعرف بأن الذين يسمعونه يعرفون أنه يكذب.

طالما
اشتكى المسؤولون الأتراك من تراخي الولايات المتحدة بتقديم الدعم “للثوار/المجاهدين”
السوريين، أو منع دعمهم، وأكثر المباحثات التي تمت بين الطرفين التركي والأمريكي
طوال فترة المحنة التي يعيشها السوريون هي من أجل انتزاع موقف من الولايات المتحدة
يسمح بتقديم الدعم لأولئك الثوار/المجاهدين. عندما أُعلن برنامج “التدريب
والتسليح للمعارضة المسلحة السورية” تم الاتفاق على أن تشرف الولايات المتحدة
وتركيا عليه، وتقدم تركيا المكان، وتشارك بالتدريب، وتقدم المملكة العربية
السعودية التمويل. والأمر نفسه ينسحب على المتدربين في الأردن، فهناك تحل الأردن
محل تركيا وإن كان بحضور أقل، فمن خضع ويخضع لهذا البرنامج لا يتخلف عن أي مجموعة
أخرى بمصادر الدعم والتمويل، فهذه الدول، إضافة إلى قطر، هي الداعم الرئيس لكل
المجموعات التي تقاتل النظام في سورية على اختلاف انتماءاتها، فهل هذا يعني أن
الجميع عملاء للأمريكان؟ وهكذا تبدو تهمة العمالة للأمريكان متطابقة تماماً مع
التهمة السابقة التي كانت تطرحها مجموعات المعارضة المسلحة “السرقة
والفساد”. إلا إذا كانت هناك عمالة جيدة وعمالة خبيثة!

مشكلة
المعارضة السورية (سياسية/مسلحة) ليست بقلة الدعم، وليست بالجهل السياسي، ولا
بالدعم الخارجي المتعدد، وعلى رأسه إيران للنظام السوري، مشكلتها أبسط من كل هذه
الأمور، وهي الأنانية، وانطلاقاً من هذه الأنانية افتراض أن سورية كعكة، وكل طرف
يريد أن يحظى بحصة أكبر من هذه الكعكة. وهذه الفرضية ليست خاطئة فحسب، بل قاتلة، فحتى
لو وافقنا من يعتبر أنها كعكة، وقلنا إنها فعلاً كذلك، فأين هذه الكعكة؟ إنها في
فم الأسد، وسيستمتع الأسد كثيراً عندما يتقاتل الآخرون على الكعكة، وهو يتلذذ
بمضغها (بتدميرها).

نعم،
إن مجموعات المعارضة المسلحة تتقاتل على جلد دب في الغابات القطبية الجليدية،
مازال اصطياده بعيد المنال، وذرائع من قبيل: “متطرفون، صحوات، عملاء، مرتدون…”،
وهؤلاء من يعيق النصر، هي تنويعات على ما يقوله النظام، حتى إن الاتهامات كثيراً
ما يستعيرها الشباب الطيبون من النظام كما هي، ويعيدون تقديمها، فما الفرق بين قول
الإمام الفقيه ذات يوم: “طريق القدس يمر من بغداد” وقول أجيره ابن ضاحية
بيروت الجنوبية اليوم: “طريق القدس يمر من الزبداني وبقية المدن
السورية”، وقول مجموعة معارضة مسلحة: “طريق إسقاط النظام يمر من تصفية
الجماعة الفلانية العميلة؟”.

قليلة
جداً هي المجموعات التي تقاتل واحدة من أعتى القوى في المنطقة، وهي إيران، وتحقق
عليها انتصارات أليمة، ولكن تصوروا لو أنها توجهت كلها للقتال، هل هذه معجزة؟

إن لم
تحدث معجزة، -ولسنا في زمن المعجزات- فسنكرر ما علمتنا إياه الحكاية الشعبية: “أُكلت
يوم أكل الثور الأبيض”، ولن نكتفي باستعارة الهراء الإيراني حول طريق القدس،
بل سنستعير أيضاً اللطم، وننظم حفلات لطم نضرب فيها أنفسنا بالسيوف، هذا إن بقي من
يلطم طبعاً…

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *