الرئيسية / رأي / كم ديكتاتوراً علينا أن نقاتل؟

كم ديكتاتوراً علينا أن نقاتل؟

ثائر الزعزوع

اندلعت الثورة السورية عام 2011 ضد الحكم الديكتاتوري المستبد المتمثل في
بشار الأسد، وقد اهتزت فعلياً صورة ذلك الديكتاتور وفقد الكثير من قدرته على
التخويف. ورغم الدعاية الإعلامية التي لم تتوقف لصالحه، إلا أن دعاية إعلامية
مضادة له استطاعت أن تحوله إلى مجرد قاتل يقود مجموعات من المرتزقة الذين يتلقون
مكافآت ورواتب مجزية للدفاع عن بقائه، فلم يعد قادراً على التفاخر بجيشه أو قواته
المسلحة، التي تفككت بفعل أربع سنوات متواصلة من القتال والانشقاقات، والامتناع عن
الالتحاق بالخدمة العسكرية، يضاف إلى ذلك طبعاً خروج الكثير من المناطق عن سيطرته.
وخلال السنتين الأخيرتين انزوى الديكتاتور تماماً في مسكنه وباتت نادرة حتى
إطلالاته الإعلامية الاستعراضية التي يبدي فيها ثقته بقرب النصر، وإصراره بالمقابل
على عدم تمسكه بالسلطة. وقد ادعى مرات عديدة أنه مستعد لترك كرسي الحكم في حال
كانت هذه رغبة الشعب السوري، دون أن يدرك حقيقة أن ملايين الحناجر التي كانت
تطالبه بالرحيل طيلة السنوات الماضية، هي شعب سوري. ولعل هذا ما دفع الكثير من
الصحفيين، بل وحتى السياسيين الأجانب، إلى وصف حالته بالغياب الكلي عن الواقع، وهو
التشخيص نفسه الذي وصف به الكثير من الديكتاتوريين السابقين، آخرهم، على سبيل
المثال، كان العقيد القذافي الذي أنكر أن يكون رئيساً، أو أن يكون لديه أي منصب في
الدولة الليبية.

لكن اهتزاز صورة الديكتاتور التي كانت قد رسمت لبشار الأسد رافقها بالمقابل
صعود عدد من الشخصيات التي تحاول جاهدة الوصول إلى السلطة، وخلال رحلة صعودها
تمكنت من العزف على وتر الثورة، وهي على الأغلب لا علاقة لها بالثورة من قريب أو
بعيد، لكن تلك الشخصيات تدرك أنها بحاجة إلى ذريعة تمكنها من الصعود على “أكتاف
الجماهير” والتقدم إلى الأمام. وإذا كان الحاكم المستبد قد استخدم على مدى
سنوات، ذريعة استعادة الأراضي السورية المحتلة من قبل إسرائيل دون أن يحرك ساكناً
في هذا المجال، فإن بعض القادة الميدانيين يرددون أنهم إنما خرجوا لنصرة الشعب
المظلوم، ورد الأذى الذي تلحقه به قوات النظام، واستطراداً، فيما بعد استعادة
أمجاد الأمة الإسلامية، وشيئاً فشيئاً بدأوا يعدون العدة لإقامة دولة إسلامية،
والانتصار لأهل السنة ضد المدّ النصيري الشيعي. ورغم التجافي بين هذه العبارات
وأهداف الثورة السورية التي طالبت بالكرامة والدولة المدنية، إلا أن اختلاط
الأوراق وتعدد الجبهات وتنوع أصناف المتقاتلين، سواء مع النظام أم ضده، كل ذلك فتح
المجال واسعاً لا للقبول بأولئك “القادة” وشعاراتهم، بل للاستسلام لهم،
فالشعب الأعزل لا يملك القدرة أصلاً على الرفض، لأن أولئك القادة استطاعوا أن
يتحولوا إلى أمراء حرب يرتبط كل منهم بمشروع خارجي وربما أكثر، فلم يعد مستغرباً
والحالة هذه، أن يقال إن منطقة ما يحكمها بائع مازوت سابق مستبد لا يقبل أن يناقشه
في قراراته وأحكامه أحد. ولم يخل الأمر من بعض الاستعراضات العسكرية والجولات
الميدانية بل والخطابات الحماسية أيضاً، وقد استعان كل واحد من أولئك بمجلس شرعي
يصدر له الفتاوى التي يحتاج إليها لردع الناس، فلم يعد الاعتقال والاختطاف حكراً
على أجهزة النظام، بل إنه تعداها إلى كل أولئك القادة. ويقبع الكثير من الناشطين
المدنيين والإعلاميين رهائن في معتقلات وسجون تابعة لبعض التنظيمات لأنهم أبدوا
رأياً مخالفاً. إلى جانب كل هذه الديكتاتوريات الصغيرة، ظهرت ديكتاتورية تنظيم
داعش الكبيرة، والتي تعمل على ابتلاع الجميع وتطويعهم، فلم تتأخر في إصدار فتاوى
التكفير بحق الجميع، ولوحت مراراً وتكراراً بأن من لم يبايع خليفتها المزعوم
فسيكون مصيره القتل بتهمة الردة عن الإسلام، لأن أبا بكر البغدادي هو حامل لواء
الإسلام، تماماً كما كان بشار الأسد، ومن قبله أبوه، يحملان لواء العروبة ومحاربة
الصهيونية.

ويبدو أن السوريين الذين خرجوا لإسقاط ديكتاتور واحد، بات لزاماً عليهم
التفكير بإسقاط جميع هذه الديكتاتوريات الصغيرة التي تشكلت على الهامش، فالثورة لم
تعد تبحث عن أهدافها فقط، بل عن استعادة سوريا كاملة غير منقوصة.

شاهد أيضاً

هذه أنا..بلا أقنعة

ميساء شقير/ غالية شاهين – خاص لصدى الشام   لطالما أجبر الخوف السوريين على الاختباء …

المساواة أم العدالة.. أيهما يحقق التوازن الحقيقي بين الجنسين؟

ميسون محمد في عصرنا الحديث، أصبحت المساواة بين الجنسين شعاراً يتردد كثيراً في كل مكان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *