الرئيسية / مجتمع واقتصاد / اقتصاد / السوق والاقتصاد وثقافة التسامح

السوق والاقتصاد وثقافة التسامح

د.رفعت
عامر

يعتقد
الكثيرون أن السوق مفهوم اقتصادي بحت، بينما هو أعمق من ذلك ويمتد إلى المجال السياسي
والاجتماعي والقانوني والأخلاقي في منظومة متكاملة لا تعمل بفاعلية دون انسجام وتفاعل
كل تلك العناصر.

أما
في سوريا، فقد كانت الأسواق غالباً تفتقد حتى للقواعد والمعايير الاقتصادية والفنية،
بحكم الوصاية والتدخل وإدارة اللعب فيه من قبل مافيات النظام والمقربين من رأس الهرم،
ضمن الدائرة الأمنية الضيقة، وبعض التجار المنتفعين. وليس للمُنتج والبائع والمستهلك
قرارهم المستقل، وهم مضطرون إلى إتقان لعبة الفساد والرشوة والمحسوبية والمحاباة
لكي يبقوا ويستمروا في السوق.

شهدت
سوريا في خمسينيات القرن الماضي تميزاً صناعياً وزراعياً وتجارياً مهماً مقارنة مع
الدول العربية وتركيا، ولكن سرعان ما خبا نجم هذا التميز مع حكم الأسدين، وعلى الأخص
في السنوات الأخيرة من حكم الأسد الابن. وتحولت أسوق البلاد إلى مرتع يعيث فيه أزلام
النظام وهواميره وسماسرته وتجاره، لهم امتيازات ممنوحة وحقوق حصرية، ليس فيها للمهارات
والقدرات والكفاءات من دور. وأصبحت قيم وثقافة الشطارة “اضرب ضربتك وهروب”،
هي السائدة في السوق والمجتمع.

لقد
تطور مفهوم السوق مع تطور أنظمة الحكم في العالم الغربي وبزوغ عصر الحريات، وأصبحت
له قوانينه الصارمة وبات يُدار بمعايير فنية وبأخلاقيات البيزنس (مجموعة الضوابط والعادات
والإجراءات الواضحة والشفافة والتي يعاقب القانون على تجاوزها). وأصبحت القوة محكومة
بمعايير الإنتاجية والتنافسية والمهارات والفنون التسويقية، وليس بامتيازات ووكالات
حصرية لأحد على حساب الآخر لمجرد قربه من دائرة الحكم والمحاسيب. وبدأت هذه الدول بسنّ
مدونات أخلاقية ملزمة للمؤسسات والأفراد رافقت مفهوم الحكم الرشيد، الذي أخضع كل المؤسسات
الحكومية والخاصة لممارسة الشفافية ووضع نفسها تحت الرقابة المجتمعية، والالتزام بمعايير
الحفاظ على البيئة وجودة الحياة ومستقبل الأجيال القادمة، حتى أصبحت مادة أخلاقيات
الأعمال تدرس في الجامعات بهدف توطين ثقافة حقوق الإنسان واحترام الاختلاف، والالتزام
بالمعايير الأخلاقية في العمل، ونشر ثقافة تقبل الآخر والتسامح.

وسنتطرق
في هذا المقال لأحد أهم المفاهيم التي شكلت الأساس في هذه المدونات الأخلاقية، وهو
مفهوم التسامح، لما لهذا الموضوع من أهمية في واقع سوريا، حاضراً ومستقبلا، على أن
نتطرق للمفاهيم الأخرى المشكلة للمدونات الأخلاقية في مقالات قادمة.

مارس
النظام السوري على مدار أكثر من أربعة عقود كل أشكال القهر والاستعباد على الشعب السوري.
مما ولا شك، خلق وسيخلق ردود فعل تقابل عنفه مادامت سوريا تفتقد الى المؤسسات والأطر
والقنوات التي يمكن أن تُحيي النشاط والعمل السياسي والمدني، حتى أصبح العنف هو
الأداة والوسيلة الوحيدة لأطراف الصراع، الذي انتقل من مستوى الجماعات إلى حيز الأفراد،
وأخذ أشكالا متعددة سياسية ودينية على أرضية التكوينات العمودية للمجتمع (طائفية ومذهبية
وعشائرية) مما يشكل تهديد حقيقياً على وحدة البلاد ومستقبلها.

لقد
تحرك النظام والاستبداد الديني معاً وأطلقوا كل الضغائن والأحقاد والغرائز السلبية
الموجودة والممكنة في الذاكرة الجماعية وخيال الإنسان السوري، لدرجة أصبح فيها العنف
ظاهرة يومية وطبيعية، تداخلت مع منتجات الفقه في الثقافة والفكر الإسلامي التكفيري
الظلامي. وأصبح العنف مبررا بحكم الدين وباسمه، وأخذ يوسع من حاضنته الاجتماعية، وأخذت
المأساة تزداد يوماً بعد الاخر، مما قد لا يترك مجالاً في المستقبل القريب للمصالحة
الوطنية والتعايش بين أفراد الوطن الواحد، إذا أستمر الوضع على هذا الحال دون تدخل
من النخب الثقافية والسياسية وإطلاق مشروع وطني جامع للمصالحة والتسامح. وهذا ليس فقط
خيار لدرء الكوارث وردات الفعل الطائفية والمذهبية والقومية المحتملة، وإنما ضرورة
لإعادة بناء الاقتصاد وتحقيق التنمية وتوفير المتطلبات العاجلة للسوريين الذين نزحوا
في الداخل وشردوا في الخارج وخسروا كل ممتلكاتهم وثرواتهم. تسامح ومصالحة تعيد الثقة
المفقودة بين أبناء الوطن الواحد.

مفهوم
التسامح في الثقافة العربية

للتسامح
في ثقافتنا وفكرنا الإسلامي ولغتنا العربية مفهوم سلبي هو “تعبير عن الشفقة التي
يكنها القوي للضعيف أو المنتصر للمهزوم”. وحالنا في ذلك حال الثقافة والفكر القروسطي
الذي ساد أوروبا في العصر الوسيط قبل الثورة البرجوازية. فهذه العقلية هي نتاج العقل
الديني، بينما التسامح الذي نقصده ونريده هنا، بمعناه الإيجابي، هو قيمة من قيم الحداثة
ونتاج العقل الحديث المؤسس على المساواة وحقوق الإنسان، قبول الاختلاف والتشريع له
والبناء عليه، فهم الآخر وإعطاؤه الأسبقية والتماس الحجج له بقدر ما نلتمسها لأنفسنا.

يقول
المفكر “علي أومليل” إن “أسلافنا في الماضي البعيد والقريب لم يتعرفوا
بمفاهيم الحداثة والحرية والتسامح والديمقراطية”. كما أجتهد المفكر “محمد
عبد الجابري” بالبحث طويلاً في تاريخ الفكر الإسلامي عن ومضات وجزر تسامحية في
بحار استبداد الفكر والثقافة الإسلامية، بهدف توطين المفهوم الإيجابي للتسامح في بيئتنا
وثقافتنا الإسلامية، فوجدها في مفهوم الاجتهاد والعدل عند المعتزلة وعند الفيلسوف ابن
رشد (نفاه المسلمون إلى أوروبا بسبب فلسفته العقلانية النقدية)، وعند ابي حنيفة، الذي
نُقل عنه قوله “لا نكفر أحدا بذنب ولا ننفي أحدا من الأيمان”. وعدا ذلك،
لم يجد مفكرنا الجابري في تاريخنا إلا إرثا ثقيلا من الاستبداد والتحريض على العنف.
وهذا ما يفسر الى حد ما، تأصل العنف وسرعة انتشاره وسهولة تحريض البعض على الآخر في
العالم العربي والإسلامي على أرضية دينية. وما الخلاف الشيعي السني الذي لا يكاد يتوقف
حتى يعود من جديد عند كل أزمة ومطب في الأحداث العربية، إلا أحد تجليات هذه الثقافة
والتاريخ الاستبدادي.

إن
مشروع الجابري والبعض القليل من المفكرين العرب، الذين وجدوا في الموقف النقدي الجاد
من الفكر الديني التكفيري والاستبدادي مرتكزاً لا بد منه للنهضة، ومحاولاتهم في توطين
مفهوم التسامح والتأسيس لثقافة حقوق الإنسان وحق الاختلاف ونبذ العنف والاستعلاء والعنصرية،
هي أهم ما نحتاجه اليوم في سوريا، ليس فقط بدوافع الوحدة الوطنية والعيش المشترك وإنهاء
العنف والاستبداد، وإنما أيضاً لضرورات السوق وبناء الاقتصاد لشعب أنهكته الحرب والعوز
والفقر والحرمان.

شاهد أيضاً

سوريا تتجه لخفض تكاليف النقل بعد تخفيض أسعار المحروقات

أكد مدير الاتصال الحكومي بوزارة الطاقة السورية أحمد السليمان، أن قرار تخفيض أسعار المحروقات سيؤثر …

مليارات ضائعة في عقد “السكر”.. فساد جديد من حقبة نظام الأسد .. والرقابة تسترد المبلغ

أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في سوريا عن استرداد نحو 46 ملياراً و790 مليون ليرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *