عبد
القادر عبد اللي
على
الرغم من السخرية الواسعة التي تمّ تداولها حول وصول أول دفعة من المقاتلين
السوريين الذين تخرجوا في إطار برنامج التدريب والتسليح، الذي جرى في تركيا بموجب
اتفاقية وقعها فريدون سينيرلي أوغلو، مستشار خارجية هذا البلد، مع سفير الولايات
المتحدة في أنقرة في شهر شباط من هذا العام، فإن هذا البرنامج بات حقيقة واقعة،
وليس الاثنان وخمسون مقاتلاً إلا طليعة الألف مقاتل الذين سيشكلون الدفعة الأولى
من هذا البرنامج، وسيدخلون تباعاً خلال الأيام والأسابيع القادمة من تركيا.
سيكون
الألف مقاتل هؤلاء، القوة التي ستحافظ على جيب في الشمال السوري يُنتزع من داعش أو
يحمى من هذا التنظيم. وتتعهد قوات التحالف الدولي بموجب الاتفاق الأخير الذي وُقع
في الشهر الحالي بين تركيا والولايات المتحدة أيضاً، تقديم الدعم لهم وحمايتهم
جوياً. ومجرد إعلان قوات التحالف الدولي التي تقاتل داعش، الساحة الجوية لهذا
الجيب ساحة عمليات، سيكون محظوراً على الطيران السوري الاقتراب منه. وهكذا لن
تستطيع طائرات النظام تقديم الدعم الجوي لداعش، كما جرت العادة عند قتال أي مجموعة
مسلحة مع هذا التنظيم. كما أن إيران لن تستطيع الاعتراض على هذا الأمر (حالياً) لكيلا
تثبت على نفسها تقديم الدعم لداعش في سورية.
يشير
المكان الذي نزلت فيه هذا المجموعة إلى أن أولى المناطق الآمنة ستكون في منطقة
إعزاز، وتتوسع تدريجياً لتغطي المساحة الممتدة بين منطقتي (كانتوني) عفرين وعين العرب/كوباني.
وتحمل هذه المنطقة أهمية استراتيجية للعديد من القوى المتصارعة في المنطقة. فهي
بالنسبة إلى داعش، جزء منهم من الشريط الذي تريد أن تحصل عليه على طول الحدود مع
تركيا، لتمنع وصول أية مساعدات لأية “مجموعة مسلحة أخرى”. وترى تركيا أن
حزب العمال الكردستاني “PKK” يعتبر هذه المنطقة أولوية، لأنه في حال سيطرته عليها سيحظى
بوحدة بين الكانتونين، ويضع اللبنة الأولى للدولة التي ستؤسس، بعد وصلها مع الكانتون
الثالث في قامشلي. وهكذا عندما تدخل هذه القوة إلى هذه المنطقة، وتحظى بالحماية
الدولية تُفشل هذا المخطط، وتبقي على الكانتونين منفصلين.
من
جهة أخرى فإن إعزاز وتل رفعت ومارع مناطق متقاربة. وفي حال حظيت هذه المنطقة
بالحماية الجوية، فهي على حدود نبّل، لأن تل رفعت تتوسط المسافة بين إعزاز ونبّل
أهم معاقل القوات التي تقاتل باسم النظام السوري وأقواها، وبهذا تكون القوة التي
ستحمي المنطقة الآمنة على حدود أحد أهم “الكانتونات” الإيرانية في
سورية، وبالتالي ستعتبر تركيا أنها بدأت بتطبيق الخطة التي جادلت كثيراً من أجلها،
وهي أن هدف هذه القوات مقاتلة “داعش والنظام”، وليس “داعش”
فقط، كما كانت الولايات المتحدة تريد وتصرّ. إضافة إلى ذلك، فإن تركيا، باعتبارها
منطقة العبور للدعم العسكري للمقاتلين ضد النظام السوري، ستحافظ على طريق الإمداد
الاستراتيجي مع حلب.
لعل
هذا لا يتعارض مع مصالح كثير من السوريين، وبهذا يمكن أن يعود ما لا يقل عن مائتي
ألف مشرّد سوري إلى تلك المناطق، لأنها ستكون تحت الحماية الدولية، وتبقى الرعاية
الإنسانية التي ستُحل لاحقاً. ومن المتوقع ألا تشكل هذه القوات “حسبة” لإمارة
سلفية متفرغة لمراقبة الذين لا يؤدون صلاة الأوقات الخمسة (أو الثلاثة ما عدا
الفجر والعشاء)، جماعة في المساجد. وفيما لو نجحت الخطة، ستكون هذه المنطقة مقصداً
للكثيرين ممن يهربون من المناطق المجاورة للعيش بسلام. إذا كانت هذه الأمور تبدو
وردية ونوعاً من الأمل المفضل، فلا بد أن هناك احتمالات أخرى يجب أن تُحسب. فنجاح
هذه التجربة لن يكون من مصلحة كثير من الأطراف، ويمكن أن تعلن كثير من المجموعات
القريبة من داعش ولاءها لهذا التنظيم وبيعتها له، لإحباط هذه التجربة، لأن نجاحها
يعني نهاية هذه المجموعات. وهذا ما يقوي داعش، ويطيل أمد الصراع أكثر.
من
جهة أخرى، فإن تركيا تقدم للولايات المتحدة وبقية الدول المشاركة بالتحالف ضد داعش،
حجّة اللاجئين السوريين، وأعبائهم التي لم تعد تطيقها، من أجل الضغط على هذه الدول
لقبول مساعدتها بتأسيس مناطق آمنة في الشمال السوري، أو تغطيتها دولياً لتأسيس هذه
المناطق. بمعنى أكثر بساطة، فإن تأسيس المناطق الآمنة سيعطي تركيا الذريعة
القانونية والإنسانية لعدم قبول اللاجئين الجدد (من هذه المنطقة في المرحلة
الأولى). ومن المعروف أن الأبواب البرية بين تركيا وسورية مغلقة منذ فترة طويلة،
وبات المهربون يقضون على جزء كبير من المدخرات القليلة التي يهرب بها اللاجئ من
أجل العبور. وفي حال إعلان هذه المناطق، يمكن أن تبقى الأبواب مغلقة إلى ما لا
نهاية. ويمكن أن تضبط الحدود أكثر لمنع تسلل اللاجئين بطريقة غير شرعية، أو
إعادتهم إلى المنطقة الآمنة. وسيكون لديها المبرر القانوني والأخلاقي لقيامها بهذا
العمل.
بالطبع
هناك سوريون كثيرون ليسوا مسرورين من الإقامة في تركيا، ويتمنون العودة إلى بلدهم
في أقرب فرصة ممكنة، ولكن ماذا سيفعل من تهدّم بيته، وفقد كل ما يملك، ولم يعد
لديه شيء؟ يقول المثل العربي-التركي المشترك: “تفاءل بالأفضل، واستعد
للأسوأ”، ويبدو أننا لم نصل إلى ما وصلنا إليه إلا لأننا لم نعمل وفق هذا
المثل.
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث