الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / الاعتقال يؤرق ملايين السوريين…والنظام يحتفظ به إلى الجولة الأخيرة

الاعتقال يؤرق ملايين السوريين…والنظام يحتفظ به إلى الجولة الأخيرة

دمشق – ريان محمد

ما زال
ملف السوريين المعتقلين والمختفين قسريا عصياً على الحل حتى اللحظة. وما زال
النظام السوري يستخدمه كورقة ضغط انتقامية على الشعب الثائر. وحتى اليوم، لم تنجح
كل المحاولات الدولية والإقليمية في الوصول إلى حلول، ولو كانت جزئية، بل قابلها النظام
بمزيد العنف وحملات الاعتقالات.

عاش السوريون
خلال سنوات الأزمة الفائتة شتى أنواع المآسي، من العنف والموت والتجويع إلى
الاعتقال القسري لسنوات، واستحقوا بجدارة تصدر الشعوب البائسة، واعتبرت أزمتهم
الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي، ما قد يصل إلى حد
التفتت الاجتماعي في ظل تواصل الصراع المسلح، الذي يتعارف اليوم علية في المنظمات
الدولية بـ “الحرب الأهلية السورية”.

وليس غريبا على
السوريين هذا العنف الدموي والاعتقال التعسفي، فتاريخ النظام يختزن الكثير من
الملفات كما حصل في حماة والسويداء والحسكة وغيرها من المناطق. كما أنه حافل بقصص
الاعتقالات الممتدة لعقود، لسياسيين مناهضين لاستبداده وغطرسته، منهم من حالفهم
الحظ وخرجوا، أمثال الشيوعي السابق فاتح جاموس والوزير السابق البعثي حديثة مراد
والذين قبع كل منهما في المعتقل نحو ثلاثة عقود، ومنهم من مات داخله، أمثال أحد
أبرز قادة انقلاب البعثيين في 1963، ومثبتي حكمهم عضو اللجنة العسكرية لحزب البعث
العربي الاشتراكي، صلاح جديد، عراب الرئيس السابق حافظ الأسد، أو من قتلوا،
كمعتقلي جماعة “الإخوان المسلمين” في سجن تدمر العسكري في ثمانينيات
القرن الماضي.

سياسة
قديمة جديدة

لم تختلف طوال
عقود حكم هذا النظام عقليته القمعية والمستبدة وآلياته، إلا أن الفارق اليوم هو
تضاعف أعداد ضحاياه، ووجود فضاء إعلامي إلكتروني حر غير مسيطر عليه، كسر التقوقع
والتعتيم الذي كان يمارس على السوريين.

200
ألف معتقل سوري يقبعون حاليا في السجون المدنية والعسكرية وأقبية فروع المخابرات،
حسب تقارير حقوقية، مضت سنوات على اعتقال بعضهم، ومعظمهم مجهول المصير.

وتتحدث اليوم عدة
تقارير حقوقية عن وجود عشرات آلاف المعتقلين، بعضها يقدرهم بـ200 ألف معتقل، في
مختلف أنواع المعتقلات من السجون المدنية والعسكرية إلى أقبية المخابرات
ومعتقلاتهم السرية، معظمهم مجهولي المصير. مضى على اعتقال جزء منهم سنوات، ولم يتم
عرضهم على أي نوع من أنواع المحاكمة الصورية التي تجرى لمعتقلي الأزمة السورية.

قالت أم أحمد، من
معضمية الشام بريف دمشق الغربي، لـ”صدى الشام”: “اعتقل زوجي منذ
أكثر من سنتين، على أحد حواجز القوات النظامية على طريق دمشق. وإلى اليوم لا أعلم
عنه أي شيء”، مستدركة: “ترك لي خمسة أطفال، أكبرهم في الرابعة عشرة، بلا
معيل أو مال. كان زوجي موظفا لكنهم قطعوا عنا الراتب بسبب اختفائه”.

وتتابع:
“أعيش اليوم أنا وأبنائي على المساعدات، بلقمة مغمسة بالذل والقهر، اعتقال
زوجي حمل كبير علي اقتصاديا واجتماعيا، اليوم أبنائي بحاجة إلى أبيهم أكثر من رغيف
الخبز”، قائلة “اليوم، لك يعد اطلاق سراح المعتقلين مطلبي فقط، بل هو
مطلب أكثر من ألف عائلة في المعضمية وحدها”.

تتنوع
قصص المعتقلين وعائلاتهم وتختلف، لكنها تتشارك الغصّة والقهر، كما تلتقي معظمها في
المصير المجهول للمعتقل والأمل الدائم لدى ذويه بأنه سيعود يوما.

من جانبه، قال
أبو مروان، ستيني العمر من ريف دمشق، لـ”صدى الشام”: “في نهاية عام
2012 اعتقل أولادي الثلاثة خلال إحدى المداهمات التي كان يقوم بها الأمن حينها،
إلى اليوم لا أعلم عنهم شيئا. وصلتني أخبار أن أصغرهم توفي في المعتقل لكنني أشعر
أنه مازال حياً، وعندما سيخرج بخير سأزوجه. لقد وعدته أن أزوجه قبل أن يعتقل بفترة
قصيرة”.

ويتابع:
“كسروا ظهري باعتقال أبنائي الثلاثة، واليوم برقبتي عائلتي مروان ومحمد؛ امرأتين
وخمسة أطفال، يريدون شابا ليستطيع حمل معيشتهم”. مضيفا “حاولت كثيرا أن
أبحث عنهم ودفعت مبالغ كبيرة لأحصل على خبر صغير عنهم، لكن كل من قصدتهم كانوا كاذبين،
يأخذون المال ويختفون”.

مخاوف
مشروعة

بدوره، قال حسن،
ناشط سياسي، في دمشق، لـ”صدى الشام”، إن “ملف المعتقلين هو أهم ملف
إنساني في الأزمة السورية. فنحن نتحدث عن أزمة تلامس ربع الشعب السوري بشكل مباشر.
نتحدث عن عشرات آلاف العائلات التي لم يعد فيها ذكور. نتحدث عن ملايين الأطفال
الذين يكبرون وفي داخلهم قهر اعتقال آبائهم أو أمهاتهم أو إخوتهم، وقد يكون اعتقالهم
جميعا، يعيشون رهابا بكل ما تعنيه الكلمة من النظام المتمظهر بالدولة”.

وأضاف:
“المجتمع السوري يقترب بخطى حثيثة من هاوية الانهيار، دون ان ينتج ما عايشه
طوال الفترة الماضية أي حراك اجتماعي سياسي يحافظ بالحد الأدنى على بنية المجتمع
وتمكين علاقته مع الوطن والدولة. حيث اعتمد النظام ملف المعتقلين كورقة تفاوض على
طاولة بحث الأزمة السورية. ولأهمية الملف، يرفض أن يجزأ مناطقيا أسوة بما يسميها
“مصالحات وطنية”، والتي تنص على إطلاق سراح المعتقلين من تلك المناطق.
إلا أنه لم ينفذ حتى الجانب الخاص بإطلاق سراح الأطفال والنساء، رغم مضي أكثر من
عامين على بعض الحالات، في ظل مطالبات دائمة من قبل أهالي تلك المناطق”.

نجح
النظام في امتلاك ملف المعتقلين كسلاح حاد ومؤلم لكل السوريين. ولا ينفك يصرّح بأن
“ملف المعتقلين هو ملف وطني لا يمكن تجزئته، وسيغلق مع إقرار تسوية الأزمة
السورية بشكل كامل”
.

وبيّن أن
“النظام كان يصرح دائما، من خلال التواصل السياسي معه عبر وسطاء إقليميين
ودوليين، وحتى من خلال بعض ضباطه رفيعي المستوى، أن ملف المعتقلين هو ملف وطني لا
يمكن تجزئته، وسيغلق مع إقرار تسوية الأزمة السورية بشكل كامل”.

وأعرب حسن عن
اعتقاده بأن “النظام نجح في امتلاك ملف إنساني مؤلم لكل السوريين، ونجح في
تحويله إلى أحد أهم الملفات الأساسية في كل اللقاءات التي جمعت النظام مع المعارضة،
إن كان في جنيف أو في موسكو، رغم أن الأخيرة كانت تطالبه بإطلاق سراح المعتقلين،
أو الأطفال والنساء على أقل تقدير، كأحد إجراءات بناء الثقة ضمن العملية التفاوضية
لإيجاد الحل السياسي”.

ويبقى السوريون وقود صراع
دموي ربما لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا له، كانت بذرته شعب مطالب بحريته وكرامته،
سرعان ما حوله العنف المفرط والمصالح الإقليمية إلى حرب بالوكالة محكومة بصراع
محاور إقليمية ودولية، ما أدخل البلاد في نفق مظلم مهددا بتشرذم البلاد أرضا
وشعبا، في ظل توافق دولي واضح، وغياب حلول توقف نزيف الدم السوري وتضمن تحقيق
مطالبه بالحرية والكرامة في المدى المنظور. 

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *