الرئيسية / سياسي / ميداني / صدى البلد / السوري يدخل الأندلس لاجئاً

السوري يدخل الأندلس لاجئاً

حنين عتيق
تنوعت محطات المهاجر السوري لتشمل كل بقاع الأرض.. بعضها يفتح للاجئ صدره ويقدم له ما يحتاجه من أمان وسكينة، والبعض الأخر يغلق أبوابه بوجه اللاجئ ليزيد عليه همومه أضعافا. وبالرغم من أن إسبانيا بلد تابع للاتحاد أوروبي، إلا أنها تقسو على السوري وتحوله إلى متشرد في شوارعها.
نعم، الآن يدخل الدمشقي الأندلس لاجئا يحمل حياته السابقة في حقيبته الكبيرة، يحملها مطوية مرصوصة فوق بعضها جيدا. ولا يعرف عن ماذا يستطيع أن يستغني كي يكون وزن حياته مقبولا في تلك الطائرة، خفيفا على ظهره في ترحاله القسري.
هاربا من طائرات الموت، يصعد السوري طائرته وأحلامه محمولة في الحقيبة الصغيرة، ولا يعرف أن ذلا مؤجلا ينتظره في المطار ويقدم له وردا ذابلا. 
إسبانيا (الأندلس) بلد جميل له مناخ قريب جدا من المناخ السوري، وفيه روح أليفه يمتزج فيها الشرقي الأندلسي بالغربي بطريقه تخفف غربه الغريب فيها وتحمل عنه بعضا من روحه. 
ناسها طيبون وودودون، يساعدون الغريب بكل حب، فقد اعتادوا وجوده في مجتمعاتهم، كما أنهم اعتادوه سائحا يشكل المصدر الأول لاقتصادهم. 
لكن ظروف اللجوء فيها تختلف عن كل الدول الأوروبية، أو على الأقل عن كل الدول الموقعة على اتفاقية دبلن، حيث أنه لا يوجد فيها لجوء بالمعنى الحقيقي لكلمة لجوء، إنما هو إعطاء إقامة حماية دولية لمده خمس سنوات تسمح لك بالبقاء فيها وبالسفر عنها باستخدام جواز سفر تقدمه لك.
إلا أنها لا تقدم لك مساعدات إلا لمدة قصيرة جدا، لدرجه يكون فيها اللاجئ محظوظا جدا إذا وصلت فتره المساعدات لسنه كاملة مقسمه بين مركز اللجوء ومساعدات خجولة من جمعيات مدنية تستمر لأشهر قليلة.
خدمات مسقوفة القيمة والمدة
بعد وصول اللاجئ وقبول طلب لجوئه، يفرز إلى أحد مراكز اللجوء، وهي شبيهة جدا بالمدينة الجامعية، حيث تقدم غرفه لكل عائلة أو لثلاثة أشخاص، وتقدم فيه ثلاث وجبات غذائية مدروسة من الناحية الغذائية وشبه كافيه من ناحية الكمية، وأقل من المتوسط من ناحية جودة الطبخ. تقدم كذلك دروس في اللغة الإسبانية منذ لحظة وصوله، لكنها دروس بسيطة حيث أنها لا تتجاوز الساعتين يوميا، ينتقل فيها من مستو لأعلى. وتقدم أيضا كورسات للغة خارج المركز لمن أنهى فترة المركز، ولكنها لا تتجاوز قيمة مادية صغيرة محددة. وتقدم أيضا بعض الكورسات للمهن البسيطة، مثل حلاقه الشعر أو الطبخ أو نادل في المطعم، والبعض القليل من الدورات العملية المهنية حيث يحق للاجئ أن يسجل في أحد الكورسات فقط. نظام التدريس هذا لا علاقة له بحصول اللاجئ على الإقامة أم لا، ولكنه محصور ضمن قيمه مادية محددة.
يحصل اللاجئ السوري في إسبانيا على مساعدات الإقامة والطعام واللغة لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة كحد أقصى.
كل هذا يتم أثناء وجود اللاجئ بالمركز، وهي فترة تتراوح بين ستة إلى تسعة أشهر فقط، بعدها يرحل اللاجئ خارج المركز، وعندها تتسلمه إحدى ثلاث جمعيات، هي أكثم وثيار والصليب الأحمر، وهي جمعيات مدنيه تقدم بعض الخدمات ولكن لفترة تتراوح بين ثلاثة أشهر للأشخاص وستة أشهر للعائلات، يقدم فيها بديل عن الإيجار للسكن ومعونات مادية لحاجات الطعام، وهي بالحد الأدنى، وتتم ضمن الكثير من الأوراق والطلبات والتدقيق المذل على فواتير شراء الطعام.
مرحلة التشرد الحقيقي
لكن الكارثة تبدأ بعد انتهاء هذه الفترة وترك هذا الدمشقي اللاجئ في الشارع، في بلد تعز فيها فرص العمل لساكنيه الأصليين وتكبر فيه الأزمة الاقتصادية. حيث أنه بعد انتهاء فترة المركز والمساعدات، والتي قد تصل السنة، تبدأ المعاناة الحقيقية، إذ تتوقف المساعدات دفعة واحدة ليجد اللاجئ نفسه في الشارع، حيث لن يعود هناك من يدفع بدل الإيجار ولا أي معونات مادية، وتنتهي حالة الأمان النسبي المؤقت، لتبدأ مسيرة البحث عن عمل، ويبدأ ذل هذه المسيرة الذي لا ينتهي إلا بعد تمزق الروح. أم أسامة امرأة سورية تحمل شهادة بكالوريوس التربية وعلم النفس، أنهت مرحلة المركز ومرحلة المساعدات وتفوقت في دراسة اللغة الإسبانية، لكنها لم تجد أي فرصة للعمل سوى التنظيف في البيوت، لتذهب كل صباح جارة خلفها روحا تنزف على الرصيف. لديها عائلة كاملة يجب أن تعيش، ولم يعد من الممكن العودة لسوريا بعد أن ذهب البيت وبعد التهديد اليومي بالموت. زوجها خريج كلية الهندسة المدنية في دمشق، وعمره تجاوز الستين، وهنا لا مجال له في أي عمل. ابنها الذي كان يدرس الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، يعمل الآن في مطعم إسباني كمنظف للصحون، وربما يترجم ألمه لكل لغات العالم وليس فقط للإنكليزية.
بعد أشهر قليلة من دخول اللاجئ إلى إسبانيا، تتوقف المساعدات دفعة واحدة، ليبدأ اللاجئ بالبحث في خيارات صعبة جدا ومحدودة، وإن وجدت فإن أحلاها مر وقاهر.
عائلة أخرى، الأم فيها مريضة والابن، الذي أتقن اللغة الإسبانية، لم يدخل الجامعة بسبب قانون التعديل للبكالوريا السورية “السيليكتيفيداد”، ولم يجد ما يعمل فأصبح يحمل إحباطا وقهرا جره أولا إلى تعاطي الحشيش، ليوصله بعدها إلى التجارة فيه تاركا أحلامه، مثل بلاده، تتكسر وتموت كما مات أخوه الأكبر في زنزانة من زنازين فرع الأمن الجوي هناك بلا جنازة، ووصل خبره اسما بلا جثة.
نعم بعد أشهر من دخول اللاجئ السوري إسبانيا تبدأ مرحلة القهر الجديدة، ويبدأ البحث عن أية حلول، منها القبول بأعمال لا تناسب أبدا ما يحمله من شهادات أو خبرة، وتحمل الكثير من الذل فيها، هذا إن وجدها أصلا، أو محاوله الذهاب إلى بلد أوربي أخر يقبله بطريقة ما. وكلّها محاولات صعبة ومهددة بالفشل، وتحرمه من إحساس الأمان والاستقرار، لتعيده لحالة الخوف والرعب والتوتر، وليبدأ من جديد بلعن كل ما حوله:
الطغاة الذين حرموه بلاده وأحلامه، وحظه الذي جاء به إلى إسبانيا، والعالم الذي مازال يتفرج عليه وهو يحمل موته معه من الشام إلى الأندلس، يحمله حقيقيا طازجا طاعنا في الوجع.

شاهد أيضاً

“قسد” تواصل الانتهاكات في مناطق سيطرتها شمال شرقي سورية

اعتقلت “قوات سورية الديمقراطية” “قسد” أمس ثلاثة أشخاص بينهم أحد شيوخ قبيلة العقيدات في الرقة …

عسكريون أتراك يطالبون أهالي جبل الزاوية بالعودة إلى منازلهم

عقد ضباط أتراك، اليوم الثلاثاء، اجتماعاً مع ممثلين ووجهاء عن منطقة جبل الزاوية جنوبي محافظة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *