الرئيسية / منوعات / منوع / ملحدون طائفيون…والقائمة تطول

ملحدون طائفيون…والقائمة تطول

غالية شاهين

في حديث مع أحد الأصدقاء العلمانيين
القدامى، وبعد انقطاع طويل نسبيا، فاجأني بالطلب الصريح بعدم تطرقي سلبيا في
مقالاتي للقيادات الدينية في منطقتي، حتى ولو كانوا رجال مخابرات في نظام الأسد.

لم يفاجئني الطلب، الذي تلقيته من أكثر من
جهة في الفترة الأخيرة، لكن ما فاجأني هو أن يطلبه مني صديق لا ديني علماني، من
المشاركين الأوائل في ثورة الحرية والكرامة في سوريا، والمقتنعين بدور القيادات
الدينية السلبي في ثورتنا.

لم أستطع الرد إلا بكلمات اختصرت تلك
الحالة التي تتكشف يوما بعد يوم “ملحد طائفي آخر…والقائمة تطول”.

لم يكن صديقي أكثر من فرد جديد في مجموعة
بدأت تتشكل بعد السنة الأولى من الثورة السورية، عندما بدأ الثوار اللا دينيون
والملحدون يُظهرون طائفيتهم غير المبنية على التدين أو الإيمان. هو نوع آخر من
الطائفية، أجبرته الضغوط الكبيرة على السوريين على البروز رغما عنهم. هي ثورة كشفت
كل الأقنعة.

تدعي شريحة لا بأس بها، من العرب بشكل عام،
والسورين بشكل خاص، عدم الانتماء لدين معين “اللادينين”، أو الإلحاد.
وقد انقسمت تلك الشريحة مع انطلاق الثورة السورية إلى قسمين: القسم الأول يضم
العديد من اليساريين الشيوعيين وبعض المنتمين إلى أحزاب تقدمية أخرى. وقد اتخذ
هؤلاء موقف الحياد، أو العداء أحيانا، للثورة السورية بحجة انطلاقها من الجوامع،
وهو ما صبغها بالطائفية، على حد تعبيرهم. بينما يضم القسم الثاني اليساريين
القدامى الخارجين من عباءة تنظيماتهم، أو الأفراد غير المتدينين بعيدا عن أي فكر
أو إطار سياسي. وهؤلاء، بمعظمهم، وقفوا مع الثورة وشاركوا فيها، خاصة في البدايات.

لكن ظروف الثورة السورية واختلاط أوراقها، والذي
بات معروفا للجميع، غير مواقف الكثيرين من القسمين، ليتحولوا عند اقتراب الخطر من
“طوائفهم” إلى طائفيين بامتياز، مع الحفاظ في كثير من الأحيان، على عدم
التدين أو الإيمان. وهو ما يصب في مصلحة النظام. في حين حافظت فئة صغيرة على نفسها
بعيدا عن الاصطفافات الطائفية، ولم تتلوث في هذا المستنقع.

قد تدل الظاهرة على عدم تجذر وتعمق الفكر
العَلماني، اللا ديني أو الإلحادي، عند الشعوب العربية، أو لنقل عند الشعب السوري.
وهو ما يمكن أن يفسر هذا التخلخل في المبادئ عند مواجهة الخطر الشخصي في النطاق
الضيق، أو العائلي والعشائري في النطاق الأوسع.

حال صديقي لم تكن استثناء تختص به طائفة
معينة في سوريا، فقد جنح إلى ذات الهاوية أشخاص كثر من “الأقليات” بشكل
خاص، دون أن ننكر حدوثه ضمن “الأكثرية”. الأمر ليس متعلقا بحجم الطائفة
أو دورها في الثورة، بل هو متعلق ببنية فكرية مشوهة غير ناضجة، وغير متوازنة.

الكثير ممن يقاتلون الآن مع
“الثوار” في سوريا (ولا أعمم هنا مطلقا)، دخلوا المعركة من هذا الباب
(اقتراب الخطر من الدوائر الضيقة للشخص أو للعائلة)، وليس من باب الدافع الوطني،
غير الناضج أيضا لدى السوريين. لكن الظاهرة بدت أوضح لدى الأقليات، وخاصة عند
اقتراب داعش من مناطقهم أو بيئاتهم وطوائفهم، فتحول العديد من ناشطي الثورة
“الوطنيين” إلى حالة الدفاع عن مناطقهم و”قبائلهم”، وانضموا
إلى المتحركين بغريزة القطيع، ليس إلا.

أخذت هذه الظاهرة شكلا آخر في بعض المناطق،
ليتحول “السوريون الوطنيون” إلى “مناطقيين” يتابعون أخبار
وأوضاع مناطقهم فقط، وهي ظاهرة كانت مخفيّة تحت الرماد في سوريا، خرجت إلى العلن،
مع انبعاث كل تشوهات المنطقة الفكرية والإيدولوجية والنفسية وظهورها على السطح،
خلال السنوات الأخيرة من الثورة.

إنها أزمة الانتماء التي يعاني منها
المجتمع السوري…فكل الانتماءات فيه اثبتت ضعفها وعدم ثباتها. إنها أزمة انتماء فعلا،
خاصة عندما يتعلق الأمر بانتماء لوطن، هذا الشعور الهائل بالثبات، والذي فقده
السوريون طويلا في ظل حكم آل الأسد، ومازالوا يحاولون استعادته حتى الآن.

شاهد أيضاً

تصنيف الجواز السوري لعام ٢٠٢٥

نزيه حيدر – دمشق يعتبر تصنيف الجوازات في العالم مؤشر لمدى قدرة حاملي هذا الجواز …

الحرية تدخل الجامعات السورية والطلبة يتطلعون لمستقبل مختلف

تمارا عبود – دمشق في الخامس عشر من كانون الأول 2024، فتحت الجامعات السورية بواباتها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *