صدى الشام _ ثائر الزعزوع/
الصور التي تطالعنا بها كل يوم وكالات الأنباء تصدمنا، وإن شئتم فهي تبعثرنا، وتجعلنا غير قادرين على لملمة أنفسنا أياماً طويلة…
لا أقصد صورة الطفل الحلبي عمران الذي بصق على الإنسانية بصمته، لكن أقصد الصور جميعها، صور الدمار، الخراب، الأشلاء، الدماء، الجوع، الفقر، صور التشرد بألوانها، كل هذه الصور باتت تشكل ألبوم صور متنقلاً يسير معنا حيثما تحركنا، ويعبر عن حالتنا، إذ يمكنك أن تختصر الحدث السوري بأكمله حين تفتح ذلك الألبوم الكبير جداً، تبدأ من تلك المظاهرات، تشييع أوائل الشهداء، صور التعذيب المسربة، القصف اليومي، حلب حمص درعا الرقة دير الزور، إدلب، دوما داريا، وكل مكان آخر، أطفالنا وهم يلوذون خلف جدار، الأمهات وهن يرفعن أذرعهن إلى الأعلى داعيات، كبار السن وهم يتحاملون على أعمارهم ليقطعوا الحدود باتجاه مجهول، حتى لم يعد الواحد منا مجرد ألبوم بل تحول إلى حقيبة كبيرة، قد تتساقط منها صور قديمة لدمشق، للفرات، لبردى، للمقاهي، قد تتساقط منها الذاكرة بأكملها لتوسع مكاناً لذاكرة جديدة..
مرة أخرى، لا أقصد صورة الطفل عمران، لكن صورة كل منا في المرآة، صورة أرواحنا المطفأة الخامدة، صورة حياتنا الذاهبة إلى حيث لا ندري، صورة بلدنا الذي لم يعد قادراً على النهوض، صورة أحلامنا التي تبددت، وصورة مستقبلنا الذي تمزقت أوراقه…
حين بدأت الثورة، كنا نجيد وبعفوية التقاط صور الفرح، كما نلاحق وجهاً مليئاً بالرغبة في الحياة والحرية، ليكون دليلاً على نهوضنا بعد نوم طويل، وحين بدأت الثورة كنا نبحث عن وجه فتاة تحمل ذلك التحدي الخاص، نسجل بعدستنا غضبها ورغبتها في الانطلاق، وكنا نصطاد طفلاً صغيراً يحمل غصن زيتون أو علماً أو يغني أغنية لا يفهم معاني كلماتها، ذلك الطفل كان صورتنا جميعاً، كنا نكبّر الصورة مرات ومرات كي نرى فيها ما لا يراه أحد سوانا وما لا يحس به أحد سوانا.
وحين التقطت عدساتنا الخبيثة صور الطائرات وهي تنهال بحممها على البيوت والمساجد والمستشفيات، ركضنا حاملين وثائقنا وأدلتنا وعرضناها بكل غضب على العالم ليرى ماذا يحل بنا، رأى العالم كل شيء وهز رأسه واستمر في دهشته، ولكن هل كان مصاباً بالدهشة حقاً؟
حين انهارت البيوت على رؤوس ساكنيها، لم تعد عدسات كاميراتنا قادرة على التقاط المزيد، صرنا نتصيد الصبر، القدرة على النهوض بعد السقوط، صرنا نبحث عن تفاصيل المقاومة، وكنا نجدها بسهولة، كنا نجد أباً يدفن فلذة كبده ويعود ليقف صامداً لا يهتز، كنا نلتقط في مكان آخر أماً تزغرد وهي تودع ولدين صغيرين، وتغني يا عصافير الجنة، وكنا نلتقط أيضاً ورغم كل ذلك الخراب فتاة تركض بين الأنقاض لتبحث عن لعبة شقيقتها الصغيرة، نقوم بتكبير الصور كل مرة ونعثر على ضالتنا روح الثورة تشتعل في التفاصيل الصغيرة، ولا يعنيها ذلك المشهد الكبير المأساوي…
حين ألقى البحر جثثنا على الشواطئ تحولنا إلى فارين من موت محتم، لكننا كنا نستطيع السباحة كي نعبر بحراً متلاطم الأمواج كي نصل إلى الحياة، وكنا نصل إلى الحياة، أو نفضل الغوص في أعماق البحر كي نبحث عن ذواتنا التي غرقت في صخب العالم ولا إنسانيته.
لم تكن شفاه أطفالنا المزرقة بفعل البرد القارس ضعفاً لكنها كانت حياة بعد موت…
ومع كل صوت يعلو مبشراً بالنصر كانت عدسات كاميراتنا تهلل فرحاً، وترقص حرية، تقترب وتبتعد لتلقط رائحة النصر في بحة صوت مقاتل، ما زال قادراً على مواصلة الحلم، ولا يستطيع أحد أن يسرق منه حلمه…
لم تستطع عدسات كاميراتنا أن تلتقط صور أولئك الملثمين وهم يلوثون المشهد بأكمله، لم تستطع الإضاءة أن تناسب سواد قلوبهم، ولا القبح والظلام الكبير الذي يحملونه، لم تتعطل الكاميرا، لكنها لم تستطع أن تلتقط تلك الصور، فلا مكان لصورهم في ألبومنا…
سرنا إلى الأمام، وركضنا خلف الأطفال وهم يدحرجون أمامهم إطارات السيارات، يشعلونها ليغسلوا بدخانها قلب العالم المتقيح، كانت وجوههم، تطفح نوراً وإصراراً، كانوا قادرين على إغاثتنا واستعادتنا من يأسنا، وقد رقصنا فرحاً، ولمعت عدساتنا وهي تنهال حباً عليهم، أي براءة وثورة تحملهما وجوههم، أي عبقرية تحملها قلوبهم…
لكننا اليوم نجلس صامتين، على كرسي في عربة إسعاف، لا نقوى على قول شيء، لا نقوى على الصراخ والغضب، لا نقوى على النهوض… كل ما نفعله أننا ننتظر أن نتعافى من جروحنا كي نحاول النهوض من جديد، لنلتقط صورتنا ونحن نعبر إلى هناك إلى حيث رسمنا على جدار في مدينة صغيرة لوحة فيها شمس وكتبنا: شمس الحرية سوف تشرق أخيراً….
ماذا فعلت بقلوبنا يا عمران؟ يا صورتنا…
صدى الشام موقع يهتم بما وراء الحدث